المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمى





جيبوتي .. ثروات وتحديات  1/22

بقلم مؤسس ومدير عام المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي د. محمد عبد العزيز الخياري



أول الدول العربية التي سنتاول الحديث عن تحدياتها وثرواتها كما ورد في مقالنا المتاح  عبر الرابط السابق  هي جمهورية جيبوتي ،  تلك الدولة الإفريقية الواقعة على الشاطئ الغربي لمضيق باب المندب، تحدها إريتريا من الشمال وإثيوبيا من الغرب والجنوب والصومال من الجنوب الشرقي فيما تطل شرقًا على البحر الأحمر وخليج عدن. وعلى الجانب المقابل لها عبر البحر الأحمر في شبه الجزيرة العربية اليمن التي تبعد سواحلها نحو 20 كيلومترًا عن جيبوتي. تقدر مساحة جيبوتي بنحو 23.200 كيلومتر مربع فقط، فيما يقدر عدد سكانها بنحو مليون نسمة، ويعيش نحو خمس سكانها تحت الخط العالمي للفقر بنحو 1.25 دولار يوميًا. تعتمد ثرواتها بشكل أساسي على موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن. وتتمثل مواردها في الموانئ التجارية الحيوية، والخدمات اللوجستية، وتأجير القواعد العسكرية، إلى جانب ثروات معدنية محدودة مثل الملح. في المقابل، تواجه البلاد مشكلات اقتصادية واجتماعية أبرزها الفقر، البطالة، وشح الموارد الزراعية. وفي جيبوتي مؤسسات للبحث العلمي أهمها مركز الدراسات والأبحاث بجيبوتي (CERD): الجهة البحثية الرائدة التي تدير برامج متخصصة وتضم المرصد الإقليمي للبحوث البيئية والمناخية. وهناك جامعة جيبوتي المؤسسة الأكاديمية الوطنية الرئيسية التي تقود الأبحاث الجامعية وتتعاون مع عدة جامعات إقليمية ودولية. وتتميز الخريطة البحثية في جيبوتي بتوجيه الجهود نحو التحديات المحلية والإقليمية: ( علوم الأرض والطاقة الحرارية الأرضية نظراً لطبيعة المنطقة. - التغيرات المناخية والاستدامة البيئية. -دراسات الأمن الغذائي والتنوع البيولوجي البحري. ) 

تحتاج جيبوتي إلى تكاتف علمائها ورجالات الدولة بها للعمل على  تطوير مسارات البحث العلمي تطوراً تقوده وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي أُسست عام 2011 عبر استهداف ترجمة البحث  مع الأولويات الوطنية، مثل علوم الأرض، التغيرات المناخية، الأمن الغذائي، ودراسات البيئة في منطقة القرن الإفريقي. كما تحتاج لتطوير نوعي في قطاعات التعليم  ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى جعل الإنسان محور التنمية لمواكبة متطلبات العصر ليكون  التعليم خيار استراتيجي لبناء الدولة   مع التركيز على تكافؤ الفرص، وتنمية المعارف والمهارات والقيم لدى التلاميذ. كما على الحكومة أن تسلك طريق يضمن تعميم التعليم وتقليص الفوارق بين المسارات المختلفة ، واعتماد برامج  لتوسيع البنية التحتية التعليمية، لاسيما  في الأقاليم الداخلية. مع العناية الفائقة بقطاع التعليم المهني والتقني وتوسيع شبكة المؤسسات على امتداد مختلف مناطق البلاد، بما ينسجم مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية الاقتصادية ودعم البحث العلمي وتشجيع الابتكار والابداع لدى الشباب . كما تحتاج جيبوتي إلى رؤية وطنية متكاملة تقوم على الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، باعتبارها رافعات أساسية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتعزيز رأس المال البشري، وتحقيق تنمية مستدامة وشاملة مع ضرورة العمل على بناء قدرات باحثيها عبر شراكات واتفاقيات مشتركة مع دول ومنظمات دولية .

 أهم الثروات

تتمحور ثروات جيبوتي بشكل أساسي حول موقعها الجيوسياسي الفريد الذي جعل منها مركزاً لوجستياً عالمياً، بينما تتركز مشكلاتها في الفقر المرتفع والديون الخارجية الضخمة. تعتمد جيبوتي على موارد "غير تقليدية" أكثر من اعتمادها على الموارد الطبيعية الخام .وتشكل السواحل الاستراتيجية وميناء جيبوتي الدولي العمود الفقري للاقتصاد، لكونه الشريان الرئيسي لحركة التجارة والشحن في المنطقة. وهناك مصدر ثابت مهم – قد يشكل نقمة ونعمة في آن واحد - يعزى إلى موقعها المطل على مضيق باب المندب، حيث تستضيف العديد من القواعد العسكرية الدولية، مما يوفر تدفقاً ثابتاً للإيرادات والمساعدات الخارجية إذ تُؤجر جيبوتي أراضيها لقوى دولية (مثل أمريكا، فرنسا، الصين) مقابل مبالغ ضخمة تساهم بشكل ثابت في الدخل القومي.  وهناك مصادر ثراء من الثروات الطبيعية حيث تمتلك بعض المعادن مثل الملح (الذي يُستخرج من بحيرة عسل)، الجبس، الذهب، والنحاس، غير أن استغلالها يظل محدوداً.  نظراً لقلة الأنشطة الصناعية والزراعية، يهيمن قطاع الخدمات وإعادة التصدير -خاصة مع الجارة إثيوبيا- على الناتج المحلي. ومن الثروات في جيبوتي  ما يمثله لها الموقع الاستراتيجي حيث تقع على مضيق باب المندب، مما جعل موانئها شريان حياة لتجارة إثيوبيا (تستحوذ على 90% منها) ومصدراً لـ 70% من ناتجها المحلي. و تمتلك  من الثروة المعدنية رواسب من الملح (بحيرة عسيلة)، والذهب، والجبس، والحجر الجيري، والرخام. كما تمتلك من الطاقة الحرارية إمكانات هائلة لتوليد الطاقة من باطن الأرض تُقدر بـ 1000 ميغاوات. ولديها استقرار نقدي حيث ترتبط عملتها بالدولار الأمريكي، مما يوفر استقراراً نقدياً يجذب المستثمرين.

أبرز التحديات

وكما تناولنا أهم ثروات جيبوتي فهي تعيش عددا من التحديات الجسام المتمثلة فيما يلي :- رغم النمو الاقتصادي المتوقع وصوله إلى 6% في النصف الثاني من عام 2026، تواجه البلاد أزمات هيكلية أولها الفقر والبطالة حيث يعيش حوالي 41% من السكان تحت خط الفقر بحسب تقارير الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية ، مع نقص حاد في القوى العاملة الماهرة.  يعاني قطاع كبير من السكان من مستويات معيشية متدنية. وهناك شح الأراضي الزراعية والمناخ القاسي الأمر الذي تشكل معه  الأراضي الصالحة للزراعة نسبة ضئيلة جداً من مساحة البلاد بسبب المناخ الصحراوي والجاف، مما يجعل جيبوتي عرضة لموجات الجفاف ونقص الغذاء. ومن أهم التحديات ارتباط الاقتصاد ارتباطاً وثيقاً بحركة التجارة الإقليمية (مثل الاستهلاك الإثيوبي للخدمات المينائية)، مما يجعل جيبوتي عرضة للتأثر بأي تغيرات سياسية أو اقتصادية في دول الجوار. تواجه البلاد نقصاً حاداً في المياه العذبة، مما يمثل تحدياً مستمراً للحياة اليومية والقطاعات التنموية. ومن أبرز التحديات أيضاً ، الديون الخارجية التي  بلغت حوالي 3.4 مليار دولار (66% من الناتج المحلي)، وتعد الصين الدائن الأكبر بنسبة 45%.المناخ القاسي: أرض قاحلة جداً (الأراضي الصالحة للزراعة لا تتجاوز 0.04%)، مما يجعلها تعتمد كلياً على استيراد الغذاء. الفساد وضعف التوزيع: تصنف جيبوتي من بين الأسوأ دولياً في سياسات توزيع الثروة القومية ومكافحة الفساد ، وهناك بلا شك تأثر بالغ في العام الأخيرة 2026 جراء التوترات الإقليمية ما طال  حركة الملاحة في موانئها بسبب الهجمات في البحر الأحمر وعدم الاستقرار في دول الجوار .

ثرواتٌنا..