بقلم المستشار بالمنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي – عميد الدراسات العليا بجامعة الإسراء بغزة د. مُنية خليل مزيد
إن الأهداف الرئيسة لمؤسسات التعليم الجامعي تدور حول عدة عناصر هي (التدريس – البحث العلمي – خدمة المجتمع)، وبإمعان النظر في الأهداف الثلاثة نجدها متكاملة متبادلة تؤثر وتتأثر ببعضها البعض، ولكن من أين تبدأ ؟ الإجابة بالتأكيد من عنصر التدريس.
– إذن هنا وجبت وقفة عميقة مع القائمين على عملية التدريس لانه أحد أهم العناصر والمؤثرات على جودة التعليم ومدى نجاعته في إيصال الرسالة الأم من الجامعة ، حيث أن التدريس يعد منظومة متكاملة تتكون من مدخلات ومخرجات، وأهم مدخلاتها التي تعتبر نقطة البداية في عمل النظام هي المعلم والمتعلم قبل الخبرة والمحتوى التعليمي.
ومن هنا نجد أن عضو هيئة التدريس يعتبر من الركائز الأساسية في عملية التدريس وبالتالي للمؤسسة التعليمية بالمجمل، ويحمل على عاتقه ارتقاء الجامعة من خلال تخريج أفراداً يمتلكون مهارات وقدرات وكفاءات قادرة على إحداث الفارق لصالح المجتمع، في ظل عالم كبير مليء بالتحديات، وهو ما يساعدهم في الحصول على فرص عمل متميزة تحقق متطلبات سوق العمل، متواكبة مع الثورة الصناعية الرابعة التي شهدت اعتماداً كبيراً على التقنيات الرقمية، وتصبح الجامعة رقما معدوداً بين الجامعات على المستوى المحلي والعالمي وتحقيق أهدافها المنشودة والقيام بوظائفها.
– ولكي يقوم عضو هيئة التدريس بالجامعة بمهمته السامية يجب أن يمتلك جدارات ومهارات وإمكانات تتناسب مع الدور الكبير المنوط به لا سيما أن هناك تغيير كبير أصبح مفروضاً عليه ليتواءم مع التسارع المعرفي والتكنولوجي والتقني ضمن مبادرة الجيل الرابع للتعليم (0.4) في ظل التورة الصناعية الرابعة، و تغير دوره من ناقل المعرفة للطالب إلى منظم وميسر وموجه ومقوم، وكل هذه الأدوار تتطلب منه جدارات متعددة ومستحدثة لا تقتصر على إمكاناته المعرفية النظرية بمادة التخصص، خاصة أن المعرفة أصبحت ليست حكراً عنده عن الطلبة الذين يمتلكون قنوات الحصول على المعرفة بأشكال متعددة ضمن التقنيات الرقمية والتكنولوجية الحديثة وبأيسر الطرق.
– لذلك كان لزاماً على عضو هيئة التدريس أن يعزز دوره ويحافظ عليه ويدعم إمكاناته نحو إعداد خريجين يمتلكون من المهارات المستحدثة والمختلفة اختلافاً ملموساً وعميقاً عن تلك التي كانت سائدة سابقا بحيث يستطيع الخريج مواكبة العصر التقني الحديث ويوائم متطلبات سوق العمل والحياة في العصر الرقمي الحديث المتسارع في التطور والتقدم.
– ومن أهم الجدارات والكفايات والتي يمكن أن تشكل نموذجاً متكاملاً من المهارات والخبرات ما يلي:
1- المعرفة بمحتوى مادة التخصص: حيث تقتضي المعرفة بالمفاهيم والمبادئ والنظريات والنماذج وجميع الأطر المفاهيمية للتخصص، والقدرة على إثراء وتطوير وتقييم وتحديث دائم ومستمر بمواد علمية إضافية، مع التركيز على مبدأ تكامل المنهاج ليستطيع إكساب الطلبة المعارف والمهارات التي تعزز بقاء أثر التعلم لأطول فترة ممكنة وتطبيقه في المواقف الحياتية المتعددة.
2- المعرفة بطرق التدريس الحديثة لمادة التخصص: وتتمثل في إلمام عضو هيئة التدريس بمفاهيم أساسية ( التدريس، التعلم، المنهاج، التقويم، الفروق الفردية للمتعلمين، الاتجاهات والميول والقيم) ليتسنى له توظيف طرق التدريس الحديثة والمتنوعة والتي باتت من الركائز الأساسية لنجاح الموقف التعليمي التعلمي وتحقيق الأهداف التعليمية المنشودة، وعدم الاعتماد على طرق التدريس التقليدية والتي أصبحت غير مناسبة لتحقيق أهداف المنهاج الحديث وتفعيل دور المتعلم في الموقف التعليمي التعلمي لتطوير خبرات ومهارات التفكير ذات المستويات العليا ( الابتكاري والناقد والجانبي والتفكير خارج الصندوق،…).
3- المعرفة التربوية: تعتبر الفروق الفردية من أهم التحديات التي تواجه المعلم في الموقف التعليمي التعلمي، لذا يتوجب على المعلم أن يكون على دراية ومعرفة كافية بطبيعة المتعلمين، وخصائصهم وميولهم واتجاهاتهم، ليتسنى له استخدام الطرق التدريسية الملائمة لإكسابهم المعارف والمهارات وتنمية الاتجاهات الإيجابية نحو المادة الدراسية، لتحقيق الأهداف المنشودة والمخطط لها. حيث أن المعلم الذي ليس لديه الحنكة والقدرة للوقوف على أهم الفروق الفردية لدى طلبته لن يستطيع أن يقوم بدوره ومهمته بالشكل المطلوب ويصبح مجرد آلة تنقل معلومات مبهمة للطلبة مما يتسبب في جنوح الطلبة عن المعلم والمادة الدراسية ويخرج المتعلم من منظومة التدريس في نفس الوضع الذي كان عليه وهو عنصر مدخل فيها.
4- المعرفة التقنية: أصبح لزاماً على عضو هيئة التدريس المعرفة الجيدة والأكيدة لفهم وتوظيف تقنيات المعلومات والاتصالات بشكل كافي لكي يمتلك المهارات اللازمة لتوظيف واستخدام التكنولوجيا في عملية التدريس، من إعداد محتوى تعليمي رقمي، العرض، التقييم، واستخدام التقنيات الرقمية الحديثة بأنواعها المتعددة بما يتناسب مع طبيعة المادة الدراسية، وطبيعة المتعلمين، وطبيعة الموقف التعليمي.
5- البحث العلمي: لقد أصبح لزاماً على عضو هيئة التدريس أن يكون على اطلاع دائم على المستجدات التربوية والتعليمية والنظرية والتطبيقية لمجال تخصصه وبالتقاطع مع المجالات العلمية ذات العلاقة والأثر في مجال تخصصه، وأن يمتلك المهارات الأساسية للبحث العلمي، حيث أن الأستاذ الجامعي أداة منتجة للمعرفة، ومما لا شك فيه أن البحث العلمي لم يعد رفاهية أكاديمية، أو هدفا للترقية والوصول للمناصب، بل أصبح ضرورة حياتية تتطلبها حركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والنفسية الشاملة لتمتد إلى التنمية المستدامة للمجتمعات، لأن كل ذلك بالنهاية ينعكس على المخرج الأساسي من عملية التدريس والتعليم، وهو رأس المال البشري الذي هو رأس المال الرئيسي للمجتمعات والذي يعول عليه رفعة المجتمعات وارتقائها وتأمين حياة كريمة في بحر تغيرات مستمرة ضمن مبدأ الثابت الوحيد في الحياة هو التغير.