المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمى

لمياء شحاته : للإعلام دورًا رئيسيًا في بناء الواقع السياسي والاجتماعي

د. لمياء شحاتة

تأطير القضايا الوطنية عبر الإنترنت في وسائل الإعلام المصرية المستقلة المعارضة وشبه الرسمية

 

حول أهمية الاتصال السياسي خلال فترات الاضطرابات السياسية، أوضحت استاذ الاعلام  بكلية الآداب- جامعة المنصورة- الباحثة د. لمياء شحاته ان الاتصال السياسي خلال الاضطرابات السياسية لا شك يلعب دورًا جوهريًا في تشكيل تصورات الجمهور تجاه الأوضاع السياسية والاقتصادية، وفهمها، واكتساب المعرفة اللازمة لاتخاذ قراراتهم بشأن أي إجراءات قد يحتاجون لاتخاذها. وكانت تلك إشكالية الدراسة التي طرحتها تهدف استكشاف كيفية مساهمة وسائل الإعلام المصرية الإلكترونية، التي تنتمي إلى أيديولوجيات سياسية مختلفة وأنماط ملكية متنوعة، في تغطية الصراع السياسي والاقتصادي في مصر. من خلال دراسة كيفية تصوير القوى السياسية المختلفة من كلا الجانبين للجمهور.

وقالت شحاته : قدمت الدراسة رؤية حول مستوى الاحترافية في التغطية الإعلامية، ومدى استخدام الإعلام كأداة للسلطة والصراع السياسي. وطرحت سؤالاً لمشكلة الدراسة مفاده أن ، كيف تقوم وسائل الإعلام شبه الرسمية، المؤيدة للحكومة، والمعارضة على الإنترنت بتأطير القضايا الوطنية المتعلقة بالإنفاق، أزمة الديون، والحوار السياسي الوطني؟

وركزت الدراسة على دور الإعلام المصري، سواء شبه الرسمي أو الإعلام المستقل المعارض، في تشكيل تصورات الجمهور تجاه القضايا الوطنية مثل التضخم وأزمة الديون والحوار السياسي الوطني خلال الأعوام (2022-2023) كيفيا وعام 2024 (كميا). وقد تم اختيار ثلاث صحف إلكترونية مصرية خاصة تمثل اتجاهات إعلامية متنوعة هي: الدستور، اليوم السابع، والشروق، وقد تم اختيار هذه القضايا التي أثّرت بشكل مباشر على حياة المواطنين اليومية خلال تلك الفترة حيث في ظل التحولات السياسية والاقتصادية التي تشهدها مصر، تكتسب وسائل الإعلام أهمية متزايدة بوصفها أداة للتواصل السياسي تسهم في تشكيل تصورات الجمهور وتوجيه وعيه إزاء هذه القضايا. لذا تركز الدراسة على كيفية تناول الصحف الإلكترونية شبه الرسمية، الموالية للحكومة، والمعارضة لتلك القضايا، بما يكشف عن مدى التزام الإعلام بالمعايير المهنية، أو توظيفه كأداة للصراع السياسي.

وارتباطا بما سبق يلعب الإعلام دورًا رئيسيًا في بناء الصور والواقع السياسي والاجتماعي، من خلال اختيار الأخبار وتأطيرها بما يخدم مصالحه وأجنداته، سواء بدعم النظام القائم أو بتأييد مطالب الشعب كما تفعل وسائل الإعلام المستقلة. ويؤكد الإطار النظري للدراسة أن الإعلام لا يكتفي بعرض الوقائع، بل يضفي عليها سياقًا ومعنى، ويخلق أو يعزز الصور النمطية التي تؤثر في الرأي العام وتوجه المواقف السياسية. رغم تآكل الثقة العامة تجاه الإعلام شبه الرسمي والمعارض، إلا أن المشهد الإعلامي استمر في التوسع، ما أتاح فرصًا لتنافس وتطور مختلف الوسائط، ويعكس هذا البحث كيف استخدمت وسائل الإعلام المختلفة الإطار التأطيري في تمثيل القضايا الوطنية بشكل انتقائي، مساهماً في فهم تأثيرات الإعلام على تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي في مصر.

تناولت الدراسات المختلفة دور الإعلام المصري، سواء شبه الرسمي أو المستقل والمعارض، في تغطية الأحداث السياسية والتحولات الوطنية منذ ثورة 25 يناير وحتى الأحداث اللاحقة مثل ثورة 30 يونيو وعزل الرئيس محمد مرسي. أظهرت النتائج أن ملكية الصحف وموقفها السياسي كان له تأثير كبير على طريقة تأطير الأخبار؛ فمثلاً ركزت الصحف الحكومية مثل الأهرام على الأبعاد السلبية للثورة، بينما شجعت الصحف المستقلة مثل الشروق والمصري اليوم التغيير والديمقراطية، مع اختلاف التأطير عبر فترة الأحداث. كما أظهرت الدراسات مقارنة بين أدوار الإعلام خلال عصور مرسي ومبارك، حيث شهدت الصحافة المستقلة مزيدًا من التنوع والانفتاح والانتقاد، في حين حاول الإعلام الرسمي الحفاظ على صورة إيجابية للسلطة. أظهرت الدراسات الحديثة أيضًا كيفية معالجة الإعلام الإلكتروني لقضايا المرأة والأزمات الاقتصادية، مثل الحرب الروسية-الأوكرانية، حيث اعتمدت وسائل الإعلام المختلفة على أطر وتقنيات متنوعة في التغطية الصحفية، مع وجود علاقة قوية بين نمط ملكية الصحيفة وحجم ونوعية التغطية. بوجه عام، تؤكد هذه الدراسات على أن تأطير الأخبار وأيديولوجيا وسائل الإعلام تلعب دورًا محوريًا في تشكيل وعي الرأي العام وتوجهاته السياسية والاجتماعية في مصر.

وارتكزت الدراسة على نظرية التأطير الإعلامي ونظرية السرد السياسي، حيث تساعد هاتان النظريتان على فهم الكيفية التي يعيد بها الإعلام تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي من خلال تسليط الضوء على جوانب معينة وإهمال أخرى. وقد تم اختيار ثلاث صحف إلكترونية مصرية خاصة تمثل اتجاهات إعلامية متنوعة هي: الدستور، اليوم السابع، والشروق، لتحليل تغطيتها لقضيتي التضخم وأزمة الديون خلال عام 2024، وهما من أبرز القضايا الاقتصادية التي أثّرت بشكل مباشر على حياة المواطنين اليومية خلال تلك الفترة.

اعتمدت الدراسة على منهج المسح الإعلامي والمقارنة المنهجية، حيث جُمعت وتحللت الأخبار المنشورة خلال الفترة بين 2022 و2023 من مجموعة من المواقع الإلكترونية شبه الرسمية المؤثرة فيها الحكومة (مثل اليوم السابع والمصري اليوم) ومواقع الإعلام المستقل (مثل الشروق والجزيرة). شملت العينة 570 خبرًا من الوسائل شبه الرسمية و315 خبرًا من الإعلام المستقل، وتم استخدام كلمات البحث: التضخم، أزمة الديون، والحوار السياسي الوطني. كما تم اختيار ثلاث صحف خاصة: الدستور، اليوم السابع، والشروق لمراقبة أطر التغطية وآليات الخطاب الاقتصادي خلال عام 2024، بما يعكس تأثير التحولات الاقتصادية والسياسية على حياة المواطنين اليومية.

أظهرت نتائج التحليل النوعي للأخبار المنشورة على وسائل الإعلام المصرية الإلكترونية خلال 2022-2023 اختلافات واضحة في تأطير القضايا الوطنية الثلاث: التضخم، أزمة الديون، والحوار السياسي الوطني، بين وسائل الإعلام شبه الرسمية المؤيدة للحكومة والإعلام المستقل المعارض. فقد اعتمدت وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة بشكل أساسي على إطار العواقب الاقتصادية لتسليط الضوء على جهود الحكومة في الحد من التضخم وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، كما استخدمت أطرًا أخرى مثل المسؤولية لتبرير الأوضاع الاقتصادية بالأزمات العالمية، والصراع للمقارنة بين حكم الرئيس الحالي ودور جماعة الإخوان المسلمين سابقًا، وأطر الاهتمام الإنساني للحديث عن المشاريع التي وفرت فرص عمل للمواطنين. بالمقابل، ركز الإعلام المستقل على التأثيرات السلبية للأزمات على المواطنين، مع توظيف أطر الصراع لفضح الأزمات الاقتصادية والعملة المحلية، وإطار المسؤولية لتحميل الحكومة الحالية مسؤولية السياسات الاقتصادية الخاطئة. ورغم وجود اتفاق بين النوعين على التركيز على العواقب الاقتصادية والإنسانية للأزمات، إلا أن كلاهما اعتمد على سرد مختلف يعكس الأيديولوجية وملكية الوسيلة الإعلامية، بما يعكس استخدام الإعلام كأداة للتأثير على الرأي العام وتوجيهه وفق توجه كل جهة.

خلاصة بحثية

وفي خلاصة الدراسة أكدت الباحثة أن وسائل الإعلام شبه الرسمية والمعارضة  قد اتفقتا على التركيز على الأطر الاقتصادية والسياسية كنهج رئيسي لمعالجة الأزمات. وقد أكد تحليل الصحف الثلاث هذه النتيجة، حيث تصدر الإطار الاقتصادي الأطر المستخدمة، خصوصًا في صحيفة “اليوم السابع”، التي انطلقت من منظور مؤيد للحكومة وركزت على إبراز الإنجازات الرسمية في خفض معدلات التضخم. في المقابل، مالَت صحيفتا “الدستور” و”الشروق” إلى الأطر التحليلية ذات البعد الاجتماعي والسياسي، خصوصًا عند تناول أزمة الديون. ويعكس هذا التوجه النقدي النسبي لهذه الصحف المستقلة إلى حد ما، ويؤكد أن المعارضة سعت لتسليط الضوء على التأثير المباشر على حياة المواطنين وتدهور أوضاعهم، بينما التزمت وسائل الإعلام شبه الرسمية بالنهج التطميني رغم خطورة الوضع.

كما خلصت إلى أن هناك تناقض حاد بين خطاب الوسائل الإعلامية في تفسير أسباب الأزمات؛ حيث تلجأ وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة إلى تبرير الأزمة بعوامل خارجية، بينما تركز المعارضة على سوء الإدارة الاقتصادية. ويتوافق هذا تمامًا مع نتائج تحليل التغطية الصحفية، حيث عزت “اليوم السابع” التضخم إلى أسباب عالمية مثل جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية-الأوكرانية، بينما ركزت “الدستور” و”الشروق” على السياسات النقدية الخاطئة والاقتراض غير المنتج.

أظهرت النتائج أن وسائل الإعلام المعارضة لم تقدم حلولًا ملموسة، في حين بالغت الوسائل المؤيدة للحكومة في عرض الحلول الحكومية. وكان هذا واضحًا في التغطية الصحفية، حيث بدأت “اليوم السابع” برؤية ترويجية للحلول الرسمية مثل دعم السلع، وإعادة جدولة الاستثمارات، ورفع الدعم تدريجيًا، بينما قدمت “الدستور” و”الشروق” مقترحات نقدية أعمق مثل مراجعة السياسات الاقتصادية وتقليل الاعتماد على القروض.

وتابعت شحاتة : أشارت الدراسة إلى أن الإعلام المؤيد للحكومة يتبنى أطرًا إيجابية تصور الأزمات كأحداث يمكن السيطرة عليها، بينما تميل الصحف المعارضة إلى التركيز على التداعيات السلبية، وكان ذلك واضحًا في “اليوم السابع” الذي ركز على جهود الحكومة للسيطرة على السوق وتوفير السلع، مقابل “الدستور” و”الشروق” اللتين سلطتا الضوء على تدهور مستوى المعيشة وارتفاع الأسعار.

وقد كشفت التحليلات عن غياب التعددية في الإعلام المؤيد للحكومة، بينما توفر المعارضة تغطية تشمل آراء متنوعة، وهو ما أكدته النتائج، حيث تبين أن “اليوم السابع” اعتمد خطابًا أحادي الجانب منحازًا للرؤية الرسمية، بينما قدمت “الدستور” و”الشروق” مجموعة من الآراء، بعضها نقدي وبعضها يدعو إلى الإصلاح.

التوصيات:

وفي نهاية الدراسة أوصت الدراسة بأن :-

تلتزم وسائل الإعلام بتقديم تغطية متعددة الأصوات تعكس تنوع الآراء والتحليلات عند تناول الأزمات الاقتصادية، بما يسهم في ترسيخ ثقافة إعلامية قائمة على الموضوعية والمصداقية.

تعزيز استخدام الأطر التحليلية والتفسيرية في معالجة القضايا الاقتصادية، لما لها من دور في رفع وعي الجمهور بأسباب وتداعيات الأزمات بعيدًا عن أطر الدعاية أو التبرير.

كما أوصت بالاعتماد على مصادر معلومات مستقلة وخبراء اقتصاديين في إعداد التقارير والتحقيقات الاقتصادية، بما يعزز احترافية التغطية الإعلامية ويضفي عليها العمق والتوازن.

من الضروري أن تعتمد وسائل الإعلام خطابًا توعويًا يسهم في بناء ثقافة اقتصادية مجتمعية قائمة على الفهم والتحليل، ويبتعد عن الخطاب الذي يثير القلق أو يقدم طمأنة غير مستندة إلى الواقع.

تطوير أدوات وطنية مستقلة لمراقبة التوازن الإعلامي ضرورة عاجلة، تسمح بتقييم دوري لأداء الإعلام وتعزز جودة ومصداقية التغطية الإخبارية.

تعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية، خاصة عند تغطية القضايا الحساسة مثل الديون العامة والتضخم، لضمان مساحة كافية للنقد البناء والتعددية.

من المهم الاستثمار في رفع كفاءة العاملين في وسائل الإعلام من خلال تدريبهم على تحليل المؤشرات الاقتصادية وتبسيط المصطلحات التقنية بلغة مناسبة للجمهور العام.

يجب أن يكون اهتمام المواطن محور التغطية الصحفية، مع التركيز على كيفية تأثير الأزمات الاقتصادية على مختلف الفئات الاجتماعية، خصوصًا الفئات الضعيفة.

إنشاء منصات للحوار ضمن التغطية الصحفية خطوة نوعية تمكّن المواطنين والخبراء من الانخراط في نقاشات بنّاءة حول الحلول والتحديات الاقتصادية.

يُوصى بتوسيع الشراكات بين وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث والجامعات لإنتاج محتوى إعلامي تحليلي قوي قائم على بيانات ودراسات موثوقة.

مقترحات بحثية:

يُقترح إجراء دراسة مقارنة بين التغطية الاقتصادية في الإعلام الرسمي والمستقل خلال فترات الأزمات المالية الكبرى، لتسليط الضوء على الفروقات في الإطار واللغة والمصادر.

من المهم تحليل تأثير الأطر الإعلامية المستخدمة في تناول قضية التضخم على تشكيل تصورات الرأي العام حول أسباب الأزمة وسبل تجاوزها.

يُوصى بإجراء دراسة ميدانية لقياس العلاقة بين التغطية الإعلامية الاقتصادية وثقة المواطنين في السياسات الاقتصادية الحكومية.

دراسة كيفية تأثير أطر تغطية قضية الدين العام على الرأي العام تجاه الحكومة أولوية في سياق الأزمات الاقتصادية المتكررة.

من المفيد مقارنة التغطية الإعلامية للأزمات الاقتصادية بين الصحف العربية والغربية لمراقبة تأثير الأيديولوجيا وسياقات حرية الإعلام على إنتاج الخطاب الاقتصادي.

يُقترح تحليل دور الإعلام الرقمي في إعادة تشكيل الخطاب الاقتصادي الرسمي وتقييم قدرته على تقديم رؤى بديلة أكثر تفاعلية وشفافية.

يُوصى بدراسة الأبعاد النفسية والاجتماعية لاستخدام الأطر السلبية أو الإيجابية في تغطية الأزمات وتأثيرها على تصورات وسلوكيات الجمهور تجاه الدولة والسياسات العامة.

تقييم احترافية التغطية الاقتصادية في الصحافة المصرية في ظل الأزمات العالمية نهج مهم لفهم نقاط القوة والضعف في الأداء الصحفي الاقتصادي.

يُقترح دراسة قدرة الصحافة على تقديم حلول بديلة، تشاركية ومجتمعية للأزمات الاقتصادية، وفحص مدى تأثير هذه المقترحات على الخطاب العام.

من المهم تحليل العلاقة بين تمويل المؤسسات الصحفية وطبيعة خطابها التحريري خلال الأزمات الوطنية، لتحديد مدى تأثير المصالح الاقتصادية والسياسية على استقلالية التغطية.

شارك المقالة

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *