تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمى

سوء توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الجامعات العربية

الفخ الرقمي: ملاحظات نقدية حول سوء توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الجامعات العربية

بقلم أ.د عبدالرزاق الدليمي – أستاذ الاعلام جامعة جيهان بالعراق – مستشار المنظمة العربية للبحث العلمي

كتبت هذا المقال كأنعكاس واقعي لتجربة شخصية عملية لمستها اثناء عملي في التعليم في عدد من الجامعات في الوطن العربي ….
شهدت مؤسسات التعليم العالي في الوطن العربي متغيّرات متسارعة مع موجة التحول الرقمي ودخول أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى مدرجاتها. ورغم الترويج الدعائي الواسع لهذه التقنيات باعتبارها طوق النجاة ظاهرياً لترقية جودة الأكاديميا ؟! إلا أن الممارسة الفعلية تكشف عن اتجاهات نقدية وملاحظات مقلقة تشير إلى أن سوء التوظيف أدى (في كثير من الأحيان) إلى إفراغ العملية التعليمية من مضمونها التربوي والفكري وذلك لعدد من الاسباب أبرزها:-
1. الانبهار بالشكل على حساب المضمون
تجلت أولى مظاهر هذا الاختلال في تركيز العديد من الجامعات على الشكليات فتسارعت المنظومات إلى بناء منصات إلكترونية وشراء تراخيص البرامج وتزويد القاعات بالشاشات التفاعلية ! دون إيلاء الاهتمام الكافي لتطوير المحتوى أو تدريب الكوادر البشرية. تحول العرض التقديمي (PowerPoint) والملفات الرقمية الصامتة إلى بديل عن الحوار الأكاديمي والتفاعل الإنساني مما أوجد بيئة تلقينية جديدة تلغي روح الابتكار والبحث العلمي الأصيل.
2. الانحدار نحو السطحية وتراجع التفكير النقدي
مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي برزت إشكالية الاعتماد الكلي للطلاب “وأحياناً الأساتذة” على هذه الأدوات لإنجاز الأبحاث والواجبات المنزلية. لذلك أعتقد جازماً ان الاستخدام المفرط وغير الموجه قد تسبب في تراجع قدرات الطلاب على التحليل النقدي وصياغة الحجج المستقلة وقراءة النصوص المرجعية الطويلة. وبدلاً من أن يكون الذكاء الاصطناعي مساعداً بحثياً يُحفز التفكير تحول لدى الكثيرين منهم إلى مسار سريع لتوليد إجابات جاهزة تُغني عن مشقة التعلم واستيعاب المفاهيم.؟!
3. أزمة النزاهة الأكاديمية وغياب الأطر الأخلاقية
لاشك ان التدفق الفوضوي للتكنولوجيا خلق حالة من الارتباك التشريعي والأخلاقي داخل الجامعات العربية….! ففي غياب سياسات وقواعد ومعايير واضحة تنظم حدود استخدام برمجيات الذكاء الاصطناعي تضاعفت معدلات الانتحال العلمي الرقمي وضللت الرؤية بين ((المساعدة الأكاديمية المشروعة والتزوير الفكري ))يضاف إلى ذلك اتساع الفجوة الرقمية بين الجامعات ذات الإمكانيات الضخمة وتلك التي تعاني من نقص التمويل مما يكرس عدم المساواة في الفرص التعليمية.
4. تحويل التعليم إلى سلعة واغتراب الأستاذ الجامعي
أسهم التوظيف السطحي للتكنولوجيا في تهميش واضعاف لدور الأستاذ الجامعي إذ تم تحويله في كثير من الأحيان من مفكر وموجه معرفي إلى مجرد منسق إداري للمحتوى الرقمي. هذا الاغتراب الوظيفي يرافقه اتجاه بعض المؤسسات نحو (تحويل التعليم إلى سلعة ) برفع أعداد الطلاب الملتزمين إلكترونياً على حساب جودة المتابعة الفردية ضرب الركائز الأساسية للعلاقة الأكاديمية القائمة على التوجيه والقدوة.
محاولات لإعادة التوازن
إن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ليسا أدوات شريرة بذاتها بل يستمدان قيمتهما وأهميتهما من غايات الاستخدام. لتجاوز هذه الملاحظات يحتاج التعليم الجامعي العربي إلى الانتقال من مرحلة (الانبهار التقني) إلى مرحلة (العقلانية الرقمية) وذلك عبر إعادة الاعتبار للتربية الإعلامية والرقمية وتدريب الأساتذة على إدماج الذكاء الاصطناعي كأداة تحفيزية ووضع أطر أخلاقية حازمة تحمي النزاهة الفكرية وتصون كرامة العملية التعليمية.

شارك المقالة

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *