المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمى

الوالدان ..

بقلم الباحث : القسطلاني سيدي – موريتانيا

من أين أبدأ؟ و كيف أصف؟ مشاعر كثيفة و معاني جليلة تتزاحم على بناني وجناني و أنا أحاول أن أسطر كلمة تناسب مقام الأمومة و الأبوة، فأجدني حائرا منبهرا لا أكاد أمسك الكلمات من شدة توهجها، و كأن التعبير يقف عاجزا أمام هذا المقام. قوة المشاعر التي تجسد تلك العلاقة المقدسة لا يمكن تسجيدها إلا من خلال وحي قلم السماء و ليس فقط وحي القلم الأرضي العاجز و كمية الحنان و العطف عندهما يكاد الفؤاد منها يحلق في الهواء، إنها كمية بصبح الفؤاد بها فارغا ، وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ” و تعجز العين عن استيعاب الخوف و الشفقة الذي يملأ قلب الوالد فيعمها الظلام من شدة إشعاع حنين قلب والد يتفطر حزنا على إبنه ، ” وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ” إنها علاقة أزلية تسقى بذورها من سماء علوي، و تمتد جذورها في الروح، فلا يستطيع عالمنا المادي إليها سبيلا. قد يهجر الصديق صديقه حتى إن كان وفيا حين تتعطل القوى العقلية لديه أو حين يصاب في إحدى الحواس الأساسية، لأنه لم يعد يجد فيه ما كان يجده من متعة الإستماع و صفاء الفهم، فيأوي إلى آخر، أما الأم فتزداد إرتباطا و شفقة بولدها حين يكون في تلك الحالة، فمجرد رؤيته و وجوده يمثل لها وجدانا و إلهاما لا يضاهى، حتى لو أنطفأت أمامك شمعة المستقبل و لم تعد تصلح لشيئ فستبقى الأم تعتبرك إمتدادا لروحها. قد يحسدك الآخر حتى و إن كان أخا شقيقا تقاسمت معه كسرة الخبز أيام الطفولة ، و قد تجده منافسا شرسا يسعى أن يكون الأفضل، و قد يضيق بك حين يعجز عن منافستك، أما الوالد فهو الوحيد الذي يتمنى أن تكون أفضل منه و يبذل الغالي و النفيس في ذلك، فكيف له أن يحسدك! إنه يعتبرك إمتدادا لكيانه و تعويضا لسنين عمره، و بريق أمل جديد يجعله يحقق من خلالك ما عجز هو عن تحقيقه. ربما نتساءل كيف تشكلت تلك العلاقة الربانية الروحانية الصافية التي يمتلكها الولدان إتجاه الأولا ، و لعل الجواب يكون عميقا جدا حين ننتبه إلى أن تلك العلاقة هي علاقة إيجاد و ليست مجرد علاقة أفراد، فأنت كنت فكرة تتجول في خاطر والديك و أملا يسكن قلوبهما و حلما يروادهما قبل أن تولد، و محطات حياتك من الميلاد إلى الأشد كانت تتشكل أمام أعينهما و تنمو بسواعدهما. إنك لست مجرد شخص يمشي على قدميه بالنسبة لهما، بل أنت بالنسبة لهما مشاعر و أمنيات و أحلام تجسدت واقعا و أصبح لها قلب نابض و لسان ناطق و عقل ناصج. و حتى و هما في الكبر و قد أصبحا عجوزين لا يملكان من الأمر شيئ، لا يجدان شيئا أغلى و أنفس و أسعد من وجودك أمام أعينهما، و ما أسعدهما برؤية، أولادك(أحفادهما)، و كلما خضعت لهما و تذللت بين أيديهما كلما غمرتهما السعادة و شع منهما ذلك النور الوهاج الذي يحفظك الله بها دعاء و بهجة و سرورا ، لذلك نجد المصطفى صلى الله عليه وسلم يخاطبنا متعجبا (رَغِمَ أنفُه، ثُمَّ رَغِمَ أنفُه، ثُمَّ رَغِمَ أنفُه، قيلَ: مَن يا رَسولَ اللهِ؟ قال: مَن أدرَك والِدَيه عِندَ الكِبَرِ أحَدَهما أو كِلَيهما، ثُمَّ لَم يَدخُلِ الجَنَّةَ.)صحيح مسلم ، و في الخبر أنَّ جاهِمةَ جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ ، أردتُ أن أغزوَ وقد جئتُ أستشيرُكَ ؟ فقالَ: هل لَكَ مِن أمٍّ ؟ قالَ: نعَم ، قالَ : (فالزَمها فإنَّ الجنَّةَ تحتَ رِجلَيها) أو كما قال صلى الله عليه وسلم أخرجه النسائي و ابن ماجه، و في الخبر أيضا ” (الوالِدُ أوسطُ أبوابِ الجنَّةِ، فإنْ شِئتَ فأضِعْ ذلك البابَ أو احفَظْه) سنن الترمذي إنهما جنتان ، و ما عليك إلا أن تقول “رب أرحمهما كما ربياني صغيرا” ، قال تعالى وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا

 

شارك المقالة

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *