ما أقسى العنصرية على النفس البشرية ، وقد يظن البعض أن صورها واضحة صريحة ، بيد أنها لا تأتي دائمًا في صورة شعارات صريحة أو مواقف فجّة، بل قد تتسلل على هيئة قرارات “محايدة” ظاهريًا، لكنها منحازة في العمق ، وتحارب العنصرية المواهب وهذا أشد خطراً على المجتمعات ، وأرى أن العالم العربي عامر بالمواهب في الميادين كافة ، لكن يأتي تساقطها الكثيف ليشكل الماً يصيب الجسد العربي في كثير من مسارات التنمية فيعاني ملايين المبدعين العرب في جل المساقات ، في حين تهاجر هذه العقول الموهوبة لتسهم في رفعة مجتمعات أخرى ، لكن الثابت أنها لا تسقط عن ضعف ، بل لأنها تُحارب أحيانًا بما هو أقوى من ضعفها: تحيّزات البشر.. والتاريخ، الذي إن صمت عن ذلك لحظة، فلا ينسى.. والله لن ينسى .
أ. محمد عبد القادر – صحافي مصري
أسوق الكلمات الاستهلالية السابقة في إشارة إلى لحظات بكاء اللاعب العربي محمد صلاح عقب مبارة فريقه في دوري ابطال اوربا أمس ، فلم يكن بكاء صلاح وهو يلوّح لجماهير ليفربول في أنفيلد مجرد تأثرٍ بهزيمة أمام باريس سان جيرمان ، بل كان في عمقه مشهدًا إنسانيًا عن لحظة يشعر فيها المبدع أنه أُقصي لا لقصورٍ فيه، بل لشيءٍ أبعد من ذلك.. لحظة يدرك فيها أن الموهبة، مهما بلغت، قد تصبح ضحية نزعاتٍ خفية: عناد، أو تكبر ، أو حتى “عنصرية” لا تُقال صراحة، لكنها تُمارَس ببرود. حين يُعامل لاعب بحجم صلاح بهذه الطريقة، فإن المسألة لا تبدو مجرد قرارات فنية، إنها أقرب إلى إعلان ضمني بأن القيمة يمكن تجاهلها، وأن التاريخ يمكن إزاحته جانبًا بقرارٍ فردي.. هنا يصبح الحديث عن أرني سلوت ليس بوصفه مدربًا أخطأ وفريقه يتهاوى، بل نموذجًا متكررًا في حياتنا، ذلك الذي يملك السلطة، فيستخدمها لإثبات ذاته، حتى لو كان الثمن تحطيم الآخرين. وأستطيع أن أترجم ما قاله اللاعب الأمصري الأسبق محمد أبو تريكة في الاستديو التحليلي بقناة بى ا ن سبورت الرياضية ، لم يكن دفاعًا عن صديق، بل توصيفًا لحالة: “عدم احترام”. كلمة بسيطة، لكنها تحمل في طياتها معنى أعمق،، أن هناك من لا يرى في الإنجاز معيارًا كافيًا للتقدير، كذلك أشار الفرنسـي تييري هنري في تصريح له إلى جوهر المسألة حين تحدث عن أهمية فهم قيمة النجوم في اللحظات الكبرى. كلاهما، بطريقته، كان يلمّح إلى ما هو أخطر من مجرد خطأ تكتيكي.. إلى خلل في النظرة، في التقدير، وربما في الميزان الذي توزن به الأمور. إن العنصرية لا تأتي دائمًا في صورة شعارات صريحة أو مواقف فجّة، بل قد تتسلل في هيئة قرارات “محايدة” ظاهريًا، لكنها منحازة في العمق، فحين يُعامل لاعب استثنائي كأنه عادي، وحين يُقصى في لحظة يحتاجه فيها الجميع، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل كل اللاعبين يُقيَّمون بالمعايير نفسها؟ أم أن هناك اعتبارات أخرى لا تُقال؟ في كل مؤسسة، في كل مجال، هناك نسخة من “سلوت”.. مدير يرى في المختلف تهديدًا، فيقلّصه.. قائد يخشى من بروز نجمٍ لا يدور في فلكه، فيهمشه.. إنها ليست مجرد أخطاء فردية، بل ثقافة كامنة تُكافئ التشابه وتخشى الاختلاف، وتُفضل السيطرة على العدالة. مشهد صلاح وهو يبكي لم يكن نهاية مباراة، بل كان مرآة لواقع أكبر: كم من موهبة في عالمنا تُدفع إلى الهامش لأنها لا تنتمي للصورة التي يريدها صاحب القرار؟ كم من نجاح يُقابَل بالجحود لأنه لا يخدم غرورًا شخصيًا؟ في النهاية، لا تسقط المواهب لأنها ضعيفة، بل لأنها تُحارب أحيانًا بما هو أقوى من ضعفها: تحيّزات البشر.. والتاريخ، وإن صمت لحظة، لكنه لا ينسى.. والله لن ينسى.