المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمى

التنوع والإدماج

بقلم : أ.د ناصر الفضلي  المؤسس والأمين العام للمنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي ، رئيس مركز لندن للبحوث

 

لقد اعتمدت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في عام 2015 وفي القلب منها دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا أهداف التنمية المستدامة (SDGs) بهدف حماية العالم من أمراض الفقر المدقع والجوع والإيدز والتمييز ضد النساء وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030. وأقرت سبعة عشر هدفًا جاءت متكاملة مترابطة لتثبت أن التنمية أيضًا يجب أن تُبنى على تنوع وتكامل وتوازن بين أنماط الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، للوصول إلى هذه الأهداف الطموحة التي تمثل أنجع استثمار للبشرية في اقتصادات منصفة وشاملة ومستدامة .  لذلك وجب علينا اليوم وليس بعد السير بتلك الأهداف نحو آفاق أوسع وبخطى أسرع من ذي قبل إن أردنا بلوغها عام 2030.

 إن التنوع السديد والإبداع والمعرفة والتكنولوجيا والموارد المالية باتت أجزاء رئيسة من آليات تحقيق أهداف التنمية المستدامة في كل السياقات ، وهنا لا يجب التعويل فقط على مجموعة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بل يجب أن يسير العمل بخطوط متوازية داخل كافة الدول الأعضاء ،  وبمنهجية تعتمد على  ثقافة التنوع كجزء رئيس من نجاح اليات التنفيذ  لاسيما في ظل أزمات ثلاثة تضرب العالم كله الآن جراء الحرب الروسية  الأوكرانية تتمثل في الغذاء والطاقة والتمويل ، الأمر الذي ينال بشكل كبير من  الاقتصادات المهترئة فتتعطل عجلات التنمية المستدامة . ويأتي الإدماج ليشكل الكتلة الرئيسة الصلبة لعملية التنوع  لاسيما وأن  التنوع والإدماج (D&I اختصارًا للكلمتين Diversity and inclusion) أصبحتا من أكثر الكلمات شيوعًا في السنوات الأخيرة ، وباتت  ثمار التنوع عصية على القطف من قبل أية مؤسسات مالم تملك القدرة على تطبيق ثقافة الإدماج ، فتنوع بلا إدماج كالإنسان بلا قلب . قد يبدو الإدماج عاملًا غير ملموس، ولكن نتائجه تؤثر على غيره من العوامل الظاهرة والمحسوسة جميعها لأنه إذا كان الإبداع جسدًا، فثقافة الإدماج هي روحه التي يحيا بها.

ويضفي الإدماج والاحتواء ميزة تنافسية إلى  المنظمة التي تؤمن بقوته وتتبناه كعنصر أساسي من دون تهاون، ولن تتمكن أي مؤسسة  أخرى من منافستها.  وبالقياس على تجارب الاندماج في الشرق الأوسط وشمال افريقيا  لم يتم اتباع نموذج واحد  يناسب جميع المنظمات لتحقيق التنوع والإدماج ، بل حتى أفضل المؤسسات لا تزال تحاول معرفة كيفية إدارة الإدماج  داخل أنظمتها اليومية. ولقد أثبتت الدراسات أن فِرَق العمل التي تتبنى ثقافة الإدماج تتفوق على نظيرتها بنسبة مذهلة تساوي 80%” وفقًا لتقرير شركة ديلويت.

 إن النجاح ليس وليد صدفة ولا يهبط من السماء بلا مقدمات وأخذ بالأسباب وعمل جاد ، إنما من يرغب في أن يبلغه  عليه ألا يعمل بمفرده  ، فالنجاح ثمرة الالتقاء وتبادل الأفكار ، إنه نتاج طبيعي لبيئة آمنة يشعر فيها  الموظفون بهويتهم ؛ فيعملون ما يحبون من دون خوف الانتقاد، وهذا هو سر السلامة النفسية التي تشكل المجازفة باعتدال والتعبير والإبداع  واطلاق العنان للابتكار من دون الخوف من شبح الفشل فيفوز باللذات كل مجازف ، فالخوف عدو الابتكار وأقوى مثبطاته فمن يسيطر عليه الخوف من ردة فعل الآخرين لن يتقدم قيد أنملة ، وكما قال العالم  بريني براون : إن  أماكن العمل التي تحتضن أفرادها، تغمرها روح الانتماء والثقة والمودة والشعور بالآخر، وهي وحدها القادرة على الابتكار والإبداع.

 وبالحديث عن الإدماج من ناحية علمية، نجد أن الدماغ البشري يسجل مشاعر الاستبعاد والرفض بداخله على شكل إصابة جسدية، هذا صحيح لأن الرفض يجرحنا ، ومن البديهي أن يؤثر ذلك على نجاح أعمالك. ووفقًا لما ذُكر في مجلة هارفارد بيزنيس ريفيو (Forbes): “هناك أيضًا دليل على أن عدم قدرتك على التفكير بشكل جيد هو نتيجة حقيقية لشعورك بالرفض”. ومن ثم، فقدرتنا على التفكير ومعالجة المعلومات داخل عقولنا وتوليد الأفكار تتأثر بما نشعر به داخل مقر العمل، لأنه متى شعرنا بالانتماء والتقبّل، ستعمل عقولنا بشكل أفضل.

 إن إدارة التنوع إجراء تنظيمي يهدف إلى تعزيز إدراج الموظفين من ثقافات متنوعة داخل المؤسسة من خلال تبني بعض الاستراتيجيات والبرامج التي تعزز من عملية دمجهم وترقيتهم والاحتفاظ بهم . ورغم إفادة هذا التنوع للمؤسسة بفضل الخبرات والثقافات المختلفة التي توفرها القوى العاملة من جميع أنحاء العالم إلا أنه قد يؤدي أيضاً إلى تباين رؤى الموظفين نظراً لاختلاف قيم وعادات كل شخص الأمر الذي يؤثر على أداء العمل إذا لم يتم وضع ضوابط لذلك.

وتقع مسئولية تعزيز الإدماج على عاتق الجميع بالمنظمة لكن في البداية  قادتها ، فهم المسئولون عن تصميم النموذج ووضع معاييره. فالمديرون العصريون هم الذين لهم دور كبير في تبني سلوكيات قائمة على الإدماج والشعور بالآخرين، وهم الذين يلهمون موظفيهم ليحذوا حذوهم. ومن ثم فإن كل أفراد المنظمة مسئولين أيضًا عن تحقيق الإدماج .

 وعلى قادة العمل إذا أرادوا بناء بيئة عمل أكثر إنتاجية أن يعاملوا أفراد الفريق كأشخاص وليس كموظفين، حينها سيقدمون أفضل ما لديهم. عليهم التقارب مع الموظفين وتبادل الآراء معهم والانصات لهم باهتمام ومنحهم الإجازات في مناسباتهم الدينية.على القادة الاهتمام بتأثير الأحداث المختلفة على موظفي المنظمة ، سواء كانت هذه الأحداث تتعلق بالصحة النفسية أو العِرقْ أو الدين أو الجنس ، مع تطبيق سياسة الباب مفتوح أمامهم إذا أرادوا التحدث عما يمرون به في أي وقت مع الحرص على تطبيق مبادئ العدالة والمساواة بينهم .  ينبغي الالتفات إلى هذه الأمور جيدًا إذا أراد قادة العمل خلق بيئة آمنة منتجة. يجب أن يدخل عنصر الإدماج في دورة حياة الموظفين من بدايتها إلى نهايتها، فالهدف هو بناء بيئة اندماج واحتواءهم منذ انضمامهم حتى مغادرتهم المنظمة .

 

 

 

المصادر

مقال المفكرة أليسون روبنز  Diversity and Inclusion activities.

 

 

شارك المقالة

شارك الخبر

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *