بقلم مؤسس ومدير عام المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي د. محمد عبد العزيز الخياري
يوماً ما التقيت في حوار صحفي وزير الخارجية العراقي الأسبق هوشيار زيباري ثم لتقيت مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان العراق ، وقبلهما وبعدهما قراءات متواترة حول أحد أغنى دول العالم بالموارد الطبيعية ، البلد العربي الأنيق الذي نالت منه الحروب والتجاذبات ما نالت ، و في هذا المقال نسلط الضوء على العراق الشقيق بشكل أدق في ثروات وتحديات ضمن سلسلة مقالات تطلقها المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي اتساقاً مع الهدف من تأسيسها ، تعظيم الفكر البحثي العربي وتحويله إلى مشروعات عمل تستثمر الثروات العربية لتثري مجتمعاته .
أحد أهم بلدان العالم في نطاق التصنيف الدولي للموارد على الكرة الأرضية، إذ يمتلك تنوعاً طبيعياً وبكميات اقتصادية هائلة ، بلد تقدر الأوساط الاقتصادية الدولية القيمة السوقية لثرواته الخام بما يزيد على 15 تريليون دولار بالقيمة الحالية تمكنه من احتلال المرتبة التاسعة عالمياً من حيث إجمالي قيمة الموارد الطبيعية المؤكدة ، القائمة العالمية التي تتصدرها روسيا الاتحادية بنحو 75 تريليون دولار وتليها الولايات المتحدة الأميركية بنحو 45 تريليون دولار”. وهذه القيمة الهائلة من الثروات التي تمتلكها العراق تشمل احتياطيات ضخمة من النفط، الغاز الطبيعي، الفوسفات، بالإضافة إلى معادن استراتيجية أخرى مثل الثوريوم واليورانيوم. كما تمكنه من الوجود في المركز الأول عالميا في تصنيف من حيث تركيز الثروات الطبيعية في كل كيلومتر مربع. لذلك يطلق عليها الاقتصاديون حول العالم أرض الثروات سواء الهائلة منها مثل النفط والغاز والمعادن أو الأراضي الزراعية الخصبة . ورغم ذلك تبقى معاناة أفراد المجتمع قائمة حيث الأزمات اقتصادية وخدمية طاحنة ، ثروات لم تنعكس على واقع المواطن الذي يقرأ ويتابع ويشعر بالحزن لأن هذه الثروات من شأنها أن تسهم في إنعاش اقتصاد البلاد – المعتمد كلياً على النفط – وازدهار حياة مواطنيه .
وفي أحدث إحصائية للنفط حول العالم وضعت الأمم المتحدة العراق في المرتبة الثالثة عالمياً ، فذكر التقرير أن فنزويلا: تتربع على الصدارة باحتياطي يتجاوز 303 مليار برميل. ثم السعودية: تحتل المرتبة الثانية باحتياطيات تقدر بنحو 267 مليار برميل. وعندما تناول المرتبة الثالثة قال : إيران والعراق وكندا: تمتلك احتياطيات ضخمة تجعل قيمتها السوقية في باطن الأرض خيالية ولم يسمها .
ويشير متخصصون في الشأن الاقتصادي العراقي إلى أن هذه الثروات الطبيعية التي تقدر بتريليونات الدولارات تؤهل العراق لأن يكون لديه اقتصاد قوي من خلال تبني أهداف استراتيجية مثل سرعة وزيادة الإنتاج والتصدير وكفاءة إدارة وإنفاق العائدات والنجاح في الاستثمار في البنية التحتية، وصولاً إلى تحقيق الرخاء الشعبي، لكن تبقى أسباب التراجع كامنة في سوء الإدارة، والفساد، والاعتماد أحادي المورد وعدم استثمار الثروات بالصورة الأمثل من قبل الحكومات المتعاقبة.
أولاً الثروات :
يمتلك العراق احتياطاً نفطياً يقارب 150 مليار برميل يجعله تاسع دول العالم، ويعد من كبار منتجي النفط في منظمة “أوبك” تجعله في الترتيب الرابع عالمياً بإنتاج يومي بلغ قرابة 4.39 ملايين برميل ، إضافة إلى ما تم تحديثه من اكتشافات نفطية ضخمة عام 2026 في “رقعة القرنين” بالنجف باحتياطي يقدر بـ 8.8 مليار برميل. فيما تصل احتياطات الغاز الطبيعي إلى% 1.9 من الاحتياط العالمي في المرتبة الـ13، ومن الغاز الطبيعي يمتلك احتياطيات تُقدّر بـ 131-132 تريليون قدم مكعب (السابع عالمياً)، وتبلغ قيمتها الحالية حوالي 514 مليار دولار . وفي المعادن يمتلك العراق ثاني أكبر احتياطي من الفوسفات عالمياً بنسبة 9% من المخزون الدولي ، أما الكبريت الحر فتبلغ احتياطاته المثبتة 600 مليون طن ويتجاوز المخزون الصناعي للفوسفات 10 مليارات طن في المرتبة الثانية عالمياً، إضافة إلى ثروات طبيعية أخرى مثل الملح وكبريتات الصوديوم، وكذلك حجر “الكلس” و”الدولومايت”، إلى جانب رمال السيليكا “الكوارتزايت” ومئات المواقع الهيدروكربونية التي لم يتم التنقيب فيها. وعن الثروات من الموارد المالية بلغت احتياطيات البنك المركزي أكثر من 100 مليار دولار من الذهب والعملات الأجنبية. الموارد المائية والأراضي الزراعية: يتميز العراق بوجود نهري دجلة والفرات، ومساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، مما يجعله بيئة خصبة لزراعة المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والشعير والأرز والتمور. وثروات من المواقع السياحية والدينية إذ يضم العراق إرثاً حضارياً وتاريخياً يمتد لآلاف السنين (مثل بابل، أور، والحضر)، إلى جانب العتبات والمقامات الدينية المقدسة، مما يمنحه مقومات سياحية كبرى.
ومع كل تلك الثروات الهائلة التي ينظر إليها العالم بإكبار وأطماع ربما ، تواجه العراق تحديات هيكلية وبيئية تمنع انعكاسها بشكل كامل على مستوى معيشة المواطنين.
ثانياً: التحديات
العديد من التحديات تواجه الدولة العراقية في مقدمتها التحدي الأكبر أن القيمة السوقية للثروات العراقية الهائلة ليست سوى رقم تقديري لموارد كامنة في باطن الأرض وهي غير مستغلة ولم يتم استثمارها أو تحويلها إلى أصول أو موجودات رأسمالية عن طريق استخراجها كمواد خام نافعة وإجراء مراحل الصنع عليها، لكي يتولد من ذلك مدخول حقيقي يخلصها من المورد الآحادي ” النفط ” ويسهم في رفاهية المواطن . ثاني التحديات الدخل آحادي المورد ، الارتهان للنفط: حيث لا يزال الاقتصاد العراقي “ريعياً”، حيث يشكل تصدير النفط الخام العمود الفقري للإيرادات (يصل إلى نحو 90% من إيرادات الدولة) ، مما يجعل ميزانية الدولة رهينة لتقلبات أسعار الطاقة العالمية. تحدي آخر هو هدر الغاز: استمرار حرق كميات كبيرة من “الغاز المصاحب” بدلاً من استثمارها، مما يسبب خسائر اقتصادية وتلوثاً بيئياً. الفساد وسوء الإدارة: يعيق الفساد المالي والإداري تطوير البنى التحتية المتهالكة (الكهرباء، الصحة، المدارس) ويؤدي إلى هدر الموازنات الضخمة من دون أن تنعكس على تطوير حياة الناس . التغير المناخي والجفاف: يواجه العراق تحديات بيئية ومائية خطيرة، متمثلة في شح المياه، وتراجع الحصص المائية العابرة للحدود، والتصحر، مما أثر بشكل مدمر على القطاع الزراعي . تأثرت الثروة الحيوانية والسمكية بسبب الجفاف وتلوث الأنهار بمياه الصرف والمخلفات الصناعية. سُجل نزوح أكثر من 168 ألف عراقي من مناطقهم لأسباب بيئية بحلول عام 2026. تضخم القطاع العام: تعثر تشكيل الحكومات والجدل السياسي حول الرواتب (نحو 8 ملايين موظف ومتقاعد) يشكل ضغطاً هائلاً على السيولة المالية. البطالة والفقر: يعاني ملايين العراقيين من الفقر والبطالة، خاصة في صفوف الشباب، إلى جانب ضعف الاستثمار في القطاعات الإنتاجية الأخرى مثل الصناعة والسياحة.
*****
وفي الختام ..
العراق بلد يمتلك كافة الأدوات ليصبح نموذجاً فريداً للتنمية الاقتصادية بشكل يجعله بلد مؤهلاً لأن يكون في مصاف الأمم المتقدمة ، ويمكن أن تنطلق التنمية بقوة حال التخلص من الترهل الإداري والبريوقراطية وميلاد الإرادة السياسية في الإصلاح واستثمار الثروات بشكل علمي أمثل يعود بالنفع على كافة افراد المجتمع ، ونرى أن ذلك يبدأ من ( الاهتمام بالبحث العلمي من خلال تعاون الحكومة والمؤسسات الخاصة ذات الصلة ورجال الأعمال ودعم الابتكار وتوفير الحاضنات العلمية الملائمة للمفكرين والمبدعين والباحثين العراقيين وما أكثرهم ، وتحويل الأفكار البحثية الى مشروعات عمل حقيقية تستثمر الإمكانات العراقية الهائلة في الثروات البشرية والطبيعية . كما أن هناك ضرورة قصوى لإطلاق مشروعات عمل تستثمر المواد الخام القابلة للتصنيع والتصدير أو الاستخدام الصناعي الوطني وتعزيز نظرية تصنيع المواد الخام أو الطبيعية وتصديرها لقيادة التنمية”.
العراق قادر على أن يكون قوة صناعية عالمية كبرى بما يملك من الثروات الطبيعية الهائلة التي تعد مفتاح لنهضة اقتصادية واجتماعية ريثما يعتمد على المخلصين من ابناءه ويتم وضع استراتيجية طويلة الأمد لسياسة الاستثمار العلمي الأمثل لهذه الثروات ، لاسيما في تصنيع الصادرات الخام بعشرات الموارد الطبيعية القابلة للاستغلال شريطة إجراء سلاسل تصنيعية بتقنيات عالية قادرة في الوقت نفسه على توليد ترابطات تصنيعية تحويلية داخلية تحد من مشكلات البطالة وتخلق أجواء تنافسية عالية بين الشركات المتوسطة فيتعاظم الإنتاج المحلي ثم تكون بمثابة مدخلات إنتاج إلى أسواق العالم.
2 Responses
من اصرح الاحصائيات ومن اروع ماذكر في احتياظي الثروات في العراق والتحديات الدقيقة لها بوركت استاذ الفذ دكتور محمد عبد العزيز
جزيت كل الخير هذه المقالة من اصدق المقالات فخر انتم دكتور محمد محمد عبد العزيز انتم اعظم من سطر اقتصاد وثروات وممانة العراق جزءا جزءاانتم فخر للامة حفظكم الله وسدد خطاكم دكتورة نهلة عاشور العراق