تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمى

 يا بشرى هذا غلام .. 

د . غالية الزبيدي
بقلم : د.غالية بنت عيسى الزبيدي – سلطنة عُمان – شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب

 

فكرة الجنس البشري من زمن القبيلة إلى زمن الدولة. ما الذي يجعل ولادةَ غلامٍ في ذاكرة العرب قديمًا أقربَ إلى انفتاح بابٍ واسع من البشرى والفرح؟  ولماذا كانت كلمة “غلام” قادرةً على أن تستدعي في المخيلة معاني القوة، والامتداد، والاسم الذي سيحمل راية البيت إلى ما بعد أصحابه؟ ثم ماذا حدث للمعنى حين انتقل الإنسان العربي من زمن القبيلة إلى زمن الدولة، ومن زمن السيف إلى زمن المعرفة، ومن مجتمعٍ كان يقيس كثيرًا من الأشياء بميزان البقاء إلى مجتمعٍ بات يقيسها بميزان العطاء؟ في الآية الكريمة: ﴿يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ﴾19 يوسف،  تجيء “البُشرى” قبل “الغلام” ، كأنّ الفرح قد سبق الغلام نفسه، وكأن القادم لم يكن مجرد طفلٍ خرج إلى الحياة، وإنما خبرٌ سارٌّ حمل معه وعدًا بما سيأتي.

وفي هذا التركيب القرآني جمالٌ يتجاوز ظاهر الحكاية؛ فالغلام في اللغة من هو في عمر الفتوة وحداثة السن، وهو في المخيال العربي صورةُ الكائن الذي لم تكتمل قوته بعد، لكنه يحمل في ملامحه بوادر القوة، وفي طفولته شعاع المستقبل. لذلك لم يكن الغلام، في بعض البيئات العربية القديمة، مجرد ولدٍ ذكر؛ بل كان مشروعَ امتداد يحمل الاسم، ويشدّ أزر القبيلة، ويقف يوم الخوف حيث يحتاج الرجال إلى من يحمل السيف، ويكون سندًا لأبيه حين يثقل العمر.  كانت القبيلة يومها لا تنظر إلى الإنسان بوصفه فردًا مستقلًا فحسب، وإنما بوصفه حلقةً في سلسلة طويلة من النسب والحماية والبقاء.  من هنا يمكن أن نفهم جانبًا من تلك البهجة بولادة الذكر، من غير أن نحول الفهم إلى تبريرٍ لكل ما صنعته الثقافة من ظلم. فالمشكلة لم تكن في “الغلام” ذاته، وإنما في اللحظة التي تحوّل فيها امتياز الذكورة من وظيفة اجتماعية تفرضها ظروف الحياة إلى معيارٍ للقيمة الإنسانية. وهنا يبدأ السؤال : متى صار الرجل عند بعض المجتمعات أكثر قيمةً لأنه رجل، وليس لأنه إنسان؟ لقد عرف العرب، قبل الإسلام وبعده، امرأةً تقول الشعر فتُسمع القبائل صوتها، وامرأة تتحدث عن العلم، وأخرى تملك المال، وأخرى تجادل في الرأي، وأخرى تترك أثرها في الأدب والتاريخ. لكن وجود هذه النماذج لا ينبغي أن يجمّل الصورة أكثر مما ينبغي؛ فالمرأة كانت في مواضع كثيرة محكومةً بنظامٍ اجتماعي يجعل الذكورة مركزًا للقوة، والأنوثة محكومةً بمساحات أضيق من الحركة والقرار. ثم جاء القرآن ليضع إصبعه على الجرح القديم: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ 58 يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ59 ﴾.النحل. فحين نتأمل هذه المفارقة في لفظة : “بُشِّرَ” في الحالتين؛ خبرٌ يفترض أن يكون موضع فرح، فإذا به ينقلب في وجدان الجاهلي إلى عار! إذ ليست المشكلة إذن في الطفلة، وإنما في العقل الذي أعاد تعريف النعمة  بحسب جنسها. ولذلك يأتي الحكم القرآني قاطعًا: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. لم يقل القرآن إن الأنثى تحتاج إلى شهادةٍ من المجتمع كي تستحق الحياة؛ وإنما كشف العقل الذي جعل ولادتها سببًا لانكسار الوجه. وهنا تكمن واحدة من أعظم التحولات التي أحدثها الإسلام: د إذ نقل قيمة الإنسان من جنسه إلى إنسانيته، ومن موقعه في القبيلة إلى موقعه في ميزان التقوى والعمل والمسؤولية. فلم يعد السؤال الحقيقي: ماذا وُلد لك؟ وإنما ماذا سيصنع هذا الذي وُلد لك؟ ومن الغريب أن الإنسان، بعد قرون طويلة من تلك الرحلة، ما زال يتأرجح بين تطرفين: تطرفٍ قديمٍ يرفع الذكر فوق الأنثى، وتطرفٍ حديثٍ يتعامل مع مجرد الحديث عن الاختلاف بينهما وكأنه إعلان حرب على المساواة. وهنا أيضًا نحتاج إلى شيء من الشجاعة الفكرية. فالمساواة ليست أن نجعل الرجل والمرأة نسختين متطابقتين، كما أن الاختلاف ليس رخصةً لاحتقار أحدهما. المساواة أن تكون للإنسان كرامةٌ لا تتجزأ بسبب جنسه، والاختلاف أن نعترف بأن الطبيعة لم تكتب الرجل والمرأة بقلمٍ واحد. فالرجل ليس  امرأةٌ، والمرأة ليست رجلٌ . بل كلاهما إنسان، لكن الإنسان نفسه ليس قالبًا واحدًا. في الجسد اختلاف، وفي بعض الاستعدادات اختلاف، وفي التجربة النفسية والاجتماعية اختلاف، وفي الأدوار التي تختارها الحياة اختلاف؛ لكن لا شيء من ذلك يمنح أحدهما تفويضًا إلهيًا بتحجيم  الآخر. إن أخطر ما يمكن أن نفعله بالمرأة أن نحاول تحريرها من الظلم بأن نطلب منها أن تتخلى عن أنوثتها، كما أن أخطر ما يمكن أن نفعله بالرجل أن نختصر رجولته في الخشونة والسيطرة والقوة الجسدية. الرجل لا يصبح رجلًا لأنه لا يُقهر. والمرأة لا تصبح قوية لأنها تتشبه بالرجل.القوة أوسع من الجسد، والرجولة أعمق من الصوت المرتفع، والأنوثة أكرم من أن تختزل في الضعف. ولعلّ مأزقنا المعاصر أننا انتقلنا من سؤالٍ ظالم إلى سؤالٍ آخر، من “لماذا وُلدتِ أنثى؟” إلى “لماذا تختلفين عن الرجل؟” . وفي الحالتين هناك عقلٌ يريد أن يفرض على الإنسان صورةً جاهزة قبل أن يراه كما هو وقبل أن يتعرف عليها . لقد آن لنا أن نخرج من هذا السجال الضيق. فالمرأة ليست مطالبةً بأن تثبت إنسانيتها كل صباح، والرجل ليس مطالبًا بأن يحمل على كتفيه أسطورة القوة طوال حياته. كلاهما يولد ضعيفًا، وكلاهما يحتاج إلى من يحمله، وكلاهما يبكي، وكلاهما يخاف، وكلاهما يخطئ، وكلاهما يستطيع أن يترك في العالم أثرًا لا يُمحى. وكم من غلامٍ لم يحمل اسم أبيه إلى المجد، وكم من فتاةٍ حملت اسم أمتها إلى التاريخ! وكم من رجلٍ كان ضعيف الأثر، وامرأةٍ صنعت من هشاشتها الأولى قوةً غيّرت بها حياة من حولها! لهذا تبدو لي العبارة القرآنية أوسع من أن تُقرأ بعينٍ اجتماعية ضيقة: ﴿يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ﴾. إنها لحظة اكتشافٍ للإنسان قبل أن يكون لحظة اكتشافٍ للذكر. الغلام هنا ليس مجرد “ذكر” في مواجهة “أنثى” ، وإنما كائنٌ جديد يدخل مسرح الحياة، ولا أحد يعرف ماذا سيصير، قد يصبح عالمًا أو شاعرًا أو عابرًا لا يترك خلفه سوى اسمه، وقد يكون صالحًا أو طالحًا، رحيمًا أو قاسيًا، عظيم الأثر أو قليل الحيلة. وهذه هي المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها: نحن نفرح أحيانًا بالجنس قبل أن نعرف الإنسان. نفرح بالولد لأنه “ولد” ، وننسى أن الذكورة لا تصنع رجلًا، كما أن الأنوثة لا تصنع امرأةً عظيمة وحدها. الذي يصنع الإنسان هو ما يضيفه إلى إنسانيته. فليست البُشرى في أن المولود غلامٌ فحسب، ولا في أن المولودة أنثى؛ البُشرى في أن الحياة منحتنا إنسانًا جديدًا، صفحةً لم تُكتب بعد، واحتمالًا مفتوحًا على الخير. وربما لهذا ينبغي أن نعيد ترتيب دهشتنا الأولى. حين يُولد طفل، لا تسألوا فقط: أهو غلام أم أنثى؟ اسألوا: أيُّ قلبٍ سيحمل؟ وأيُّ عقلٍ سينمو في رأسه ؟ وأيُّ أثرٍ سيترك؟ ومن سيكون هذا الكائن حين يكبر ويقف وحده في مواجهة العالم؟ فالجنس يحدد  ملامح الجسد، لكنه لا يكتب سيرة الإنسان. والغلام الذي هتف باسمه الوارد على الماء ذات يوم، لم يكن يعرف أنه سيصبح بعد آلاف السنين سؤالًا فلسفيًا عن الإنسان نفسه. “يا بُشرى، هذا غلام” …  لعل أجمل البشائر ليست أن يأتي الغلام، ولا أن تأتي الأنثى، وإنما أن يأتي الإنسان؛ ثم تمنحه الحياة حقه الكامل في أن يكون جديرًا بالبُشرى. الفائزة بجائزة سرد الذهب بدورتها الثالثة لعام 2026 م عن فئة القصة القصيرة غير المنشورة.

شارك المقالة

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *