المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمى

الهجوم على ” الطيبات “

د مريم ايت احمد

نظام الطيبات بين صنمية الطب وإنصاف التاريخ

 

بقلم : رئيس مركز إنماء للأبحاث والدراسات المستقبلية ، ا.د مريم أيت احمد

 

في سياق الجدال القائم حول نظام الطيبات للدكتور ضياء العوضي وانتشار حملات تشويه ممنهجة لمحاربة أفكاره من خلال المجتمع الطبي والتصنيعي  للأدوية. وبالعودة إلى سننية التاريخ التداولي العلمي  نجد انه  من الطبيعي ان يحدث هذا الجدال والرفض الخارج على إطار التحليل العلمي المتوجه نحو شخصنة النظرية بادعاء التسبب في قتل العديد من متابعي النظام . والتنمر على سلوك الفرد بمقاربة شخصانية بعيدا  عن مناقشة علمية تفكيكية عميقة لنظرية يمكن ان تكون عبقرية في خروجها عن صنمية  قداسة العلوم التجريبية التي تحولت من نسبية التطور  الى ثوابت علمية مقدسة غير قابلة للتطور او التغيير.

اليوم مانراه من هجوم على نظام الطيبات دونا عن أنظمة غذائية عديدة تداولها الكثير من غير المتخصصين منهم من نصبوا انفسهم اخصائين أغذية دون شهادات او كوتشات في الرياضة او مؤثرين في مواقع التواصل او عشابة تفننوا في صناعة الحلقة الفرجوية .قد يكونوا تسببوا في قتل عشرات من متابعيهم بوصفات عشبية غير محسوبة أو أنظمة كيتو وكارنيفور وغيرها كثير. ومع ذلك لم نجد من يقف لهم  بالمرصاد ولا من وجه لهم اصابع الاتهام وحملات تشويه إعلامي ومنابر اتهام او تجريم لأنظمتهم الغذائية  .

الزمن الرقمي اليوم وضعنا امام امتحان صعب من  تجاذبات لمنظومة علمية تذكرنا بتداول سنن التاريخ العلمي .وتعيد إنتاج عقلية الرفض المتداول تاريخيا عبر قرون لأي منظومة علمية جديدة تخترق قداسة أنظمة الثبات العلمي الموحدة عالميا .فالتاريخ يشهد لنا بعدم اعتراف العلماء بنظريات جديدة لزملائهم من علماء بارزين بمساهماتهم في التاريخ العلمي و المجتمع الدولي في شتى المجالات . وهذا ما يفسر لنا بوضوح جلي مايحدث  اليوم مع نظام الطيبات ورفض عبقريته في ربط الجسم بالنظام الغذائي لتفادي أمراض مزمنة . علما ان الفكرة لم تكن وليدة رؤيته الثاقبة  بل اثبتها علماء قبله وقوبلت بالرفض رغم النتائج الهائلة التي احرزتها. واستنادا الى هذا الرفض التاريخي الممنهج  قد نستشهد  بنماذج معروفة من علماء بارزين تم تهميشهم في حياتهم رغم الاستفادة من علمهم الذي يوظف اليوم في مجالات التقدم العلمي . ولنبدأ بنيكولاس تيسلا الذي قدم اسهامات هائلة في الكهرباء والتيار المتناوب، لكن اديسون حارب أفكاره إعلاميا وتجاريا و حصل بذلك التنقيص من علمه واختراعه على شهرة وثروة ضخمة رغم أن أنظمة تسلا مؤسس النظرية المهمش في حياته أصبحت هي الاساس والمرتكز في انظمة الكهرباء الحديثة. ايضا نستشهد بالعالمة روزاليند فرانكلين التي كان لها الفضل في اكتشاف  DNA  بالتقاطها لصور الأشعة السينية والتي كانت أساسية لفهم البنية الحلزونية للحمض النووي، بدورها لم  يعترف بها في حياتها وذهب الفضل كله الى فرانسيس جيمس واطسون ولم تلقى أي تقدير او اعتراف او تكريم لإنجازها في حياتها. الأمر ذاته حصل مع العالم جورج مونديل الذي وضع  قوانين الوراثة الأساسية من خلال تجاربه على نبات البازلاء، كان مصيره تجاهل تام من قبل المجتمع العلمي ولم يعترف بأبحاثه لسنوات طويلة، ولم تقدر قيمة اكتشافه العلمي  إلا بعد مرور سنوات على وفاته. ايضا نجد العالم آلان تورين الذي ساهم في فك شيفرات ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية وأسس لعلم الحاسوب الحديث، قد تعرض بدوره في حياته لأشد المضايقات واضطهاد معنوي نفسي  مس سمعته  بسبب ميوله الشخصية بدل تكريمه والاعتراف بنجاعة اختراعه . ثم نأتي الى العالمة جوسلين بل بورنيل التي اكتشفت بجهودها الذاتية النجوم النابضة(Pulsars) لكن جائزة نوبل ذهبت إلى مشرفها العلمي على البحث وزميل آخر له دون أن تمنح لها او يعترف لها بفضل الاختراع . وبالموازاة مع علماء الغرب  قد نأخذ مثلا لدى  العلماء العرب ابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية الصغرى قبل العلماء الأوروبيين بقرون كثيرة. لكن العديد من الكتب الغربية تجاهلته ونسبت الاكتشاف لاحقا إلى علماء آخرين لاعلاقة لهم بالاختراع .

هذه الأمثلة وغيرها كثير  تظهر أن التقدير العلمي لكل اختراع او نظرية جديدة تحدث نفيرا موحدا ضدها وان الاعتراف بفاعلية النظرية لايأتي دائما مباشرة . سواء في العلوم التجريبية أو العلوم الإنسانية والاجتماعية والفلسفية . فمسار المرحوم الدكتور العوضي يدخل في هذه الخانة التي هزت المنظومة العلمية في علوم الطب والتي حولت المتغير العلمي الى ثابت مقدس لايجوز المساس بأصوله ، وان كان التاريخ يشهد بمعاناة جل العلماء والمخترعين الكبار في حياتهم لدرجة قد يؤدي الأمر لتصفيتهم من قبل مجموعات منافسة او جهات تستولي على اختراعاتهم لتعيد انتاجها او لطمسها ان كانت لا تتماشى و مصالحها الربحية .. !  ورغم للااعتراف بهم في حياتهم تطلب تدويل نظرياتهم  بعد وفاتهم الى سنوات بل  حتى قرون للتوافق وإقرار  نظرياتهم العلمية . الفرق الحاصل بين التاريخ والحاضر هو  أننا اليوم نعيش زمن الثورة الرقمية والتي قد تكسر صنمية الدرس التعليمي التشريحي الطبي القائم على نظريات علمية تحولت من المتغير الى الثابت ومن النسبي الى المطلق العلمي المقدس في تعميم أدواته المعرفية التي قامت على فصل  الجسم الإنساني وجزءت العلوم الخاصة به.في عملية قطع تام لربط هذا التخصص العلمي الدقيق بندرية التكامل بين العلوم وتقاطعاتها العلمية والمعرفية  لبناء الأمن الصحي البشري؛ من خلال ربط العلوم الطبية بعلم التغذية وعلم النفس وعلم الطاقة الروحية كبيئة تكاملية شمولية مؤثرة على الأمن الصحي . مع محاولة إعادة تشكيل الوعي المعرفي للمنظومة الطبية نحو دمج عملية تنقية الأمن الغذائي من شوائب توظيف المبيدات والتهجين النباتي والحيواني والتلوث البيئي المستعملة  في صناعة الاقتصادات النامية والمدمرة لثروات الرأسمال البشري صحيا .

نظرية الدكتور ضياء سجلت بعيدا عن الشهادات  براءة اختراع واقعية عملية في إعادة تشكيل الوعي الصحي للمجتمعات . وفتحت مختبرات تجارب عابرة للحدود تطوع فيها الالاف من المنخرطين بتقديم أجسامهم عينات تجارب مجانية طوعية تثبت الى حد الآن من خلال آلاف التعليقات نجاح النظام الذي قام على اساس المنع لخبائث مستحدثة من الأطعمة المهجنة وفق قاعدة” درء المفاسد اولى من جلب المصالح”  . ومع هذا تبقى النظرية في الرؤية المستقبلية قابلة للتطور والتعديل والنجاح او الفشل وفق عينات الدراسة الحالية .لتبقى النقطة الفارقة لدى الدكتور ضياء انه فتح ضياء نوعي في  صياغة نموذج جديد لمجتمع يقوده الوعي الإنتباهي الصحي قبل التطويع الدوائي الذي اثبت عبر التاريخ استعباد الجسم لأنظمة استشفائية دوائية تدمر بنيته الجسمية بموت بطيء على المدى البعيد ….!

 

شارك المقالة

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *