د. محمد عبد العزيز – مستشار اعلامي دولي
ما أحوج غزة – رمز عزة هذه الأمة – إلى التعافي على مختلف الصعد سواء المؤسسية منها أو البشرية ، ولا ريب في أن المؤسسات التعليمية يجب أن تلعب دوراً رئيساً نحو تلك المفاهيم لاسيما المقررات الجامعية . وحينما نتناول علم العلاقات العامة الذي يعد أحد المسارات المهمة للعلوم الاجتماعية فهي ركيزة استراتيجية لا غنى عنها في هذه المساحة المعرفية ، لأنها مما يسهم في بناء القدرات الوطنية للشباب ، خاصة وأننا نمر بمنعطف تاريخي نحو التعافي وإعادة الإعمار.
إن العلاقات العامة كمفهوم علمي لم يظهر إلا في مستهل القرن العشرين تتجاوز مفهومها التقليدي لتصبح أداة لبناء التحالفات، إدارة الموارد، ونقل الواقع بكفاءة وموضوعية.
فما ما أحوجنا إلى جيل واعي لديه معارف متعددة في ما يتعلق بالنواحي الاستراتيجية والمؤسسية مثل ادارة الاتصال لقيادة مرحلة إعادة الإعمار التي تتطلب مشاريع إعادة البناء والتعافي فتحتاج إلى هيكلة اتصالية متكاملة لإدارة العلاقات مع الشركاء الدوليين، والمنظمات الأممية، والمؤسسات المانحة.اضافة إلى إعداد كوادر فلسطينية شابة قادرة على صياغة تقارير دورية وإفصاحات شفافة حول سير المشاريع والميزانيات، مما يعزز ثقة الجهات المانحة ، فيتم بناء جسور تواصل مستمرة وقنوات إعلامية متخصصة تبرز الاحتياجات الميدانية في غزة بدقة وتتابع تنفيذ التعهدات.كما انها تسهم في إعادة بناء وتطوير الهوية المؤسسية بعد أن نالت يد الحرب الغاشمة من البنية التحتية للمؤسسات التعليمية، والصحية، والحكومية، والمجتمعية بشكل لم يعرفه التاريخ البشري وشهد عليه العالم ، مما يحتم إعادة إحيائها وتطوير أدائها بأيدي شبابها المتخصصين.
نحتاج إلى شباب يتعلم سبل إعادة تنظيم الخطاب الداخلي والخارجي للمؤسسات لتيسير تقديم الخدمات للمواطنين ، شباب يعرف كيفية إدارة السمعة والصورة الذهنية و ترسيخ صورة المؤسسات الفلسطينية كجهات مهنية قابلة للاستثمار والشراكة في مشاريع التنمية المستدامة ، كل ما سبق يمنحه علم العلاقات العامة لذلك هو أحد أهم العلوم الاجتماعية التي يجب على صناع القرار الأكاديمي في فلسطين الحبيبة تعزيزه والعناية بتطبيقاته .
إن علم العلاقات العامة يوطن كيفية تعاطي المتعلمين مع الأزمات الإنسانية والخدمية بسرعة ودقة وفهم ثاقب لضمان تدفق المعلومات الصحيحة ومنع انتشار الشائعات كما يعزز لديهم سبل التواصل مع الجمهور وقت الكوارث وتوجيههم نحو الإجراءات الآمنة ومراكز الخدمات والمساعدات بكفاءة . كما يدعم الاتصال التسويقي وهو أحد فروع العلاقات العامة ، الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال ويقدم فرصا للشباب للاندماج في سوق العمل عن بعد ، وتمكن العلاقات العامة الشباب من بناء حملات اتصالية للمبادرات والشركات الناشئة لضمان استدامتها واجتذاب الاستثمارات، إضافة إلى إدارة المنصات الرقمية والتواصل المؤسسي لشركات عربية ودولية من داخل فلسطين لاسيما غزة .
وفي ظل هذه الأجواء الصعبة التي خلفتها الحرب القذرة يحتاج أهل غزة إلى السلم المجتمعي والتماسك الداخلي وهو ما يستطيع أن يسهم فيه شباب عرفوا كثيرا عن علم العلاقات العامة فيجيدون الاتصال الممنهج فيعززون بذلك الرأي العام الداخلي ويتمكنون من توجيه دفته نحو البناء والعمل الجماعي ، بل ويصممون تصميم حملات اتصالية تستهدف قضايا الصحة العامة، وإدارة النفايات، وترشيد الموارد، والدعم النفسي الاجتماعي لأهالي الشهداء والمصابين والمختفين . إن علم العلاقات العامة ومبادئه السليمة يوطن في المتعلمين الالتزام بالصدق ودقة البيانات دون مبالغة ويعلمهم اليات تقليل الهدر في مشاريع الإعماروإدارة الأزمات ودرء الفتنة المتمثل في سبل التعامل مع زيف الاعلام ووقف نقل الأخبار غير الموثوقة وتحفيز المشاركة المجتمعية والتكافل وتقليل التكاليف الحكومية عبر تفعيل دور المتطوعين.
وترتبط العلاقات العامة ارتباطاً وثيقاً بالنواحي الشرعية والاقتصادية، إذ لا تقتصر على كونها أداة اتصالية مجردة، بل تتكامل مع المنظومة الأخلاقية والمالية التي تحكم أداء المؤسسات والمجتمعات ، ذلك العلم الذي يُعد فناً وممارسة منتظمة ما يفتؤ يرتبط بعديد المناحي الشرعية والاقتصادية ، فهو ليس أحد الأدوات الاتصالية فحسب ، بل هو علم يتناغم مع المنظومة الأخلاقية والمالية التي تحكم أداء المؤسسات والمجتمعات ، لكونها تعتمد في جوهرها على تنظيم العلاقات بين المؤسسة والجمهور بفصيليه الخارجي والداخلي ، وهو ما يلتقي مباشرة مع المبادئ والأحكام الشرعية الإسلامية التي تؤطر المعاملات والاتصال الإنساني مثل الصدق في التناول والأمانة في الطرح.
كما ترتكز العلاقات العامة الناجحة على إعمال الشفافية ونقل الحقائق للجمهور من دون افراط او تفريط أو زيف (مكافحة الإعلام المضلل). كما إن برامج العلاقات العامة تترجم حماية البيئة، ورعاية التنمية المستدامة ، درء الشبهات وإدارة الأزمات ، فقاعدة اتقاء الشبهات تعد مرجعاً إسلامياً أصيلاً لإدارة السمعة ، حيث يتوجب على ممارس العلاقات العامة توضيح الحقائق للجمهور سريعاً ليذُب عن مؤسسته ويدفع عنها الشائعات والشبهات. كما يرتكز بروتوكول العلاقات العامة على حسن الخطاب مع الناس ، والتواصل المتوازن مع مختلف أطياف المجتمع من دون فوقية مزرية أو اساءة مُذلة وهو ما يتناغم مع كلام الله تعالى ” وقولوا للناس حسنا ” .
وكما يتصل علم العلاقات العامة بالمناحي الشرعية المستمدة من ديننا الحنيف وتعاليمه السامية فإنه يرتبط أيضا بالاتجاهات الاقتصادية ويعتبرها عديد رواد فكر الاعلام محركاً استراتيجياً للقيمة الاقتصادية للمؤسسات والأسواق، كما أنها تؤثر بشكل مباشر على الأداء المالي واستدامة الأعمال ، فالاقتصاديون يسمون الصورة الذهنية والسمعة أصول غير ملموسة للمؤسسات ، فتشكل القوية منها جزء كبير من القيم السوقية للشركات . وبإسهام العلاقات العامة في بناء هذا الأصل فإنها تعزز ثقة المستثمرين ورغم انها ليست تسويقا مباشرا غير انها ” الصورة الذهنية الإيجابية ” تقرب الجمهور في منتجات المؤسسة وخدماتها، مما يحسن من القيمة الممتدة للعميل ويضمن استدامته .
إن دور المؤسسات الأكاديمية الفلسطينية كبير للعناية بتعليم طلابها كل ما يؤدي إلى حسن تعاطيهم مع تلك التحديات الجسام التي تمر به بلادهم وتستوجي وجود المتخصصين المخلصين ” إن خير من استأجرت القوي الأمين ” .