بقلم : د. ماجد عبد العزيز عيسى- أكاديمي وكاتب صحفي
تكاد تجمع الآراء عبر التاريخ البشري لتبين أن الإنسان يعتبر قيمة بذاته، وأنه المورد الرئيس ضمن مفهوم الموارد في الدول المختلفة. إن الإنسان يمكن اعتباره المنتج والمستهلك معاً، الباني والهادم، المعمّر والمخرّب، فهو يمتلك فرادة وتميّزاً عن بقية الكائنات بهذه السمات التي تجعله يجمع ما لا يجتمع لدى الكائنات الأخرى.
لقد قامت الحضارات والدول والثقافات على الإنسان من خلال شحذ الفكر والإرادة، فكانت تلك الوقائع التاريخية التي أثبتت أن الإنسان له وظيفة محورية وجوهرية في هذه الحياة تتمثل بتعمير الأرض وأنسنة الحياة فيها، والأنسنة مفهوم يستخدم ضد التوحُّش أي البدائية والبهيمية الحيوانية.
إن كثيراً من الدول لا تمتلك أية موارد طبيعية، لكنها بالإنسان وحده استطاعت أن تبني اقتصادها وأن تضع اسمها في مقدمة دول العالم الحديثة، والأمثلة والشواهد على ذلك كثيرة، هناك اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايلاند وماليزيا وهي دول ما تعرف بالنمور الأسيوية، قامت وتطورت وأصبحت ضمن الدول الاقتصادية الأولى في العالم نتيجة بنائها للإنسان بالدرجة الأولى. كوريا الجنوبية كمثال تشتري النفط الخام وتعيد تكريره في أكبر محطة تكرير للنفط في العالم وهي تعتبر من الدول المصدّرة للنفط المكرر، مع أنها لا تمتلك النفط، كما أنها تقوم باستيراد التراب الخام من دول مجاورة لتقوم بمعالجته واستخراج المعادن منه حتى أصبح لديها أكبر مصانع الحديد والستانلس ستيل في العالم، وتعتبر من أكبر الدول المصدرة للحديد، مع أنها لا تمتلك أية موارد طبيعية. هنا نتحدث عن الإنسان وعبقرية بنائه بشكل يؤكد أنه عندما يتم فهم الإنسان وتلبية حاجاته ومتطلباته وإطلاق العنان لقدراته وخياله، سيكون الشاهد أمامنا مجتمعات متطورة قوية وغنية.
حين تصفحت عدداً من المواقع الإلكترونية باحثاً عن مواضيع أو دراسات تتعلق بالشباب، هالني حجم المفردات التي ترتبط عضوياً بمفهوم الشباب. ربما لن أتناول متعمقاً بالبحث في تلك المفردات، لكنها البداية من أجل نظرة مغايرة للشباب وشؤونهم. سأحاول في عجالة أن أحصر المفاهيم والمفردات ذات الصلة بالشباب والتي يتم تداولها بحثياً أو على هيئة ندوات وورش عمل ومؤتمرات ودورات تدريبية ومعسكرات وغيرها، ومن تلك المفاهيم ما يأتي: ” العنوسة، تأخُّر سّن الزواج، البطالة، شغل وقت الفراغ، غلاء المهور، تأمين المسكن، الصحة الإنجابية، المخدرات، الإيدز، التدخين، الإدمان، الإنترنت، الأغلبية الصامتة، أمل المستقبل، بناة الوطن، التوجيه الوطني، التربية الوطنية، المشاركة السياسية، التحرُّش الجنسي، الانحراف الجنسي، المشاكل الاجتماعية، المظاهر السلوكية، الرياضة، الأندية، المراكز الشبابية، المعسكرات الشبابية، العمل الخيري، العمل التطوعي، حقوق الإنسان، الانتخابات، الأحزاب، الاتحادات الطلابية، العنف الطلابي، التفكك الأسري، الانتهاكات الأخلاقية، التعليم الجامعي، الحب من طرف واحد، الدردشة الإلكترونية، الحب عبر الإنترنت، و…”. هذه عينة بسيطة من المفاهيم المرتبطة بالشباب، وهي إن دلت على شيءٍ فإنما تدلّ على حجم وخطورة الدور والتأثير الشبابي في المجتمعات المختلفة، وليس بجديدٍ ذكر أن حيوية أي مجتمع تقاس بنسبة وحيوية الشباب فيه. لقد أظهرت دراسات مختلفة أن الشباب الذين يبدون مفعمين بالحماسة والنشاط، هم في الواقع الأكثر توتراً وانفعالاً وخوفاً من المستقبل المجهول. تنحصر المشكلات التي تواجه الشباب العربي عموماً إلى أربعة أنواع هي: مشكلات نفسية، كالشعور بالضياع والغربة والإحباط بسبب التفاعلات السياسية المتباينة وضغط الأسرة. مشكلات اقتصادية، وهي المتعلقة بالعمل والسكن وضمان المستقبل أو البطالة والعوز والحرمان من آمال الغد. مشكلات أخلاقية اجتماعية، ناجمة عن التناقض القيمي بين جيل الشباب وجيل الآباء، وعن عدم استغلال أوقات الفراغ، وقلة أشكال الترويج وصولاً إلى مشكلات الانحراف والجنوح وتعاطي الكحول والمخدرات، مشكلات سياسية، وتتعلق ببعض النظم القائمة والحريَّات المهدورة وانعدام المشاركة السياسية الحقيقية. هذه المشاكل تشكّل أرضية واحدة بين الشباب العربي وتشمل: “البطالة والفقر، التهميش والتمييز وقلة فرص المشاركة، التطرُّف ومشكلات الهويَّة الثقافية والوطنية، صراع الأجيال. في تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002 ، تضمن استطلاعاً لقياس اهتمامات الشباب، فأظهرت إلى أن الشباب يرون أن أكثر القضايا أهمية هي: ” فرص العمل بنسبة 45% من الإجابات, يليها التعليم بنسبة 23% فالبيئة بنسبة 12% ثم توزيع الدخل والثروة بنسبة 8%، فالمشاركة السياسية بنسبة 5%، فالرعاية الصحية بنسبة 4% وأخيراً الفقر بنسبة 4% أيضاً. وأظهرت الدراسة نسبة 51% من الشباب قد عبروا عن رغبتهم في الهجرة إلى بلدان أخرى، مبينين بوضوح عدم رضاهم عن واقع الحال وفرص المستقبل في بلدانهم. وفي دراسة ميدانية أجراها المجلس الأعلى للشباب والرياضة في مصر على عينة من الشباب للتعرُّف على اهتماماتهم، تبيَّن أن النشاطات الطلابية في مقدمة اهتمامات الشباب بنسبة 84%, يليها الاهتمام بالسياسة 82%، وحازت شبكة الانترنت على اهتمام 90% من الشباب، فيما جاء الاهتمام بالأدب في آخر قائمة الإهتمامات عند الشباب. وختمت الدراسة بنتيجة مثيرة تقول ( الرياضة في مقدمة اهتمامات الشباب المصري والقراءة في آخرها)، وهذا ربما ينساق على الشباب العربي برمته. وللحديث تتمة.