بقلم : أحمد عبدالمنعم عيد – باحث إسلامي
اصطفى الله – تعالى- من الملائكة رسلا ومن الناس لتعليم خلقه وإرشادهم إلى الطريق المستقيم ، فهم هداة يُهتدى بهم، وأدلاء يُقتفى أثرهم، وليقطع بإرسالهم الطريق على كل متعلل لضلالته ومتحجج بعدم وصول الرسالة إليه. ” رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ” [1]
واصطفى الله – تعالى – من الرسل صفتهم وتمام البناء وخاتمهم – صلى الله عليه وسلم- فكان الأكمل والأجمل والأعلى قدرا عند الله –سبحانه وتعالى- وكان صلى الله عليه وسلم أعظم نعمة امتن الله –تعالى – بها على المؤمنين ” لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ”[2]
واقتضت حكمة الله – تعالى – أن يصطفي لرسوله –صلى الله عليه وسلم – من يكون إلى جواره يبلغ دعوته ، وينقل عنه قوله وفعله وتقريره وما كان وصفا له، فما غاب نفس تنفسه النبي –صلى الله عليه وسلم- أو حركة أو سكنة أو تعبير باللفظ أو الشكل عن أمة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وفي الحقيقة اطفاهم الله للأمة قبل أن يصطفيهم لرسول الله – صلى الله عليه وسلم- فكانوا أهل كفاح ، خاصموا الراحة وآثروا التعب والنصب حراسة لدين الله –تعالى- وتركوا الإقامة بين الأهل والولد واختاروا الترحال وإدامة السفر نشرا لدين الله –تعالى-. وصفوة الصفوة من أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- أهله الذين طهرهم الله –جل وعلا- وأذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا . قال –تعالى- : ” وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً “[3] وصفوة صفوة الصفوة من أهله –صلى الله عليه وسلم – هي أمنا عائشة الصديقة بنت الصديق – رضي الله عنهما- فقد كان زواجها وحيا من الله – تعالى- عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لها: ” أريتك في المنام مرتين، أرى أنك في سرقة من حرير، ويقول: هذه امرأتك، فاكشف عنها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه “[4]
تزوجها النبي – صلى الله عليه وسلم- وما أحب أحدا من النساء كحبه لها، ولا أحب أحدا من الرجال كحبه لأبيها – رضي الله عنهما- يصرح بذلك –رسول الله صلى الله عليه وسلم- عن أبي عثمان، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» قلت: من الرجال؟ قال: «أبوها» قلت: ثم من؟ قال: «عمر» فعد رجالا، فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم” [5]
وكان النبي –صلى الله عليه وسلم- يربط حبه بحبها فعنها –رضي الله عنها- قالت: أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذنت والنبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة رضي الله عنها في مرطها، فأذن لها فدخلت، فقالت: إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في بنت أبي قحافة، قال: «أي بنية، أتحبين ما أحب؟» قالت: بلى، قال: «فأحبي هذه» ، فقامت فخرجت فحدثتهم، فقلن: ما أغنيت عنا شيئا فارجعي إليه، قالت: والله لا أكلمه فيها أبدا. فأرسلن زينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذنت، فأذن لها، فقالت له ذلك، ووقعت في زينب تسبني، فطفقت أنظر: هل يأذن لي النبي صلى الله عليه وسلم، فلم أزل حتى عرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر، فوقعت بزينب، فلم أنشب أن أثخنتها غلبة، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «أما إنها ابنة أبي بكر»[6] وكانت شكوى أمهات المؤمنين بسبب أنه إذا كان يوم عائشة –رضي الله عنها – ذهب الصحابة إليه بالهدايا لعلمهم بحب النبي –صلى الله عليه وسلم-. وكان النبي –صلى الله عليه وسلم – يتباسط معها ويدللها بالألقاب إذا خاطبها مثل يا عائش. وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- يسابقها وتسابقه، فيسبقها مرة، ويتركها تسبقه مرة تطييبا لخاطرها ومحبة منه لها –رضي الله عنها-. هذه الحياة الطيبة لم تسلم من لسان حاقد منافق حاسد لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- قبل حقده على أم المؤمنين –رضي الله عنها- فاختلق حادثة الإفك طعنا في أمنا عائشة –رضي الله عنها- الطاهرة المطهرة، لعله أن ينال من النبي –صلى الله عليه وسلم بالكذب، وكانت محنة على المسلمين وكربة ما فرجت إلا من أبواب السماوات، إذ أنزل الله –تعالى – شهادته في حقها وبراءته لها من فوق سبع سماوات في سورة النور . وبين –سبحانه- أنه إفك، وأن المساس بأمنا جرم يقتضي عذابا عظيما حالا لا آجلا ناجزا عاجلا لولا لطف الله بالناس “ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ“[7]
فكأن الله –تعالى – ما ابتلاها بلسان المنافق إلا ليظهر فضلها وعلو قدرها على العالمين وأن هذا القدر والجاه عند الله يستدعي أن ينزل جبريل بآيات تتلى إلى يوم القيامة فيها البراءة ومنها تظهر الكرامة، فتفرح أمنا عائشة – رضي الله عنها- يوم أنزلت هذه الآيات وتقول: الفضل لله وحده فقد أنزل براءتي من فوق سبع سماوات. وعاشت أمنا عائشة – رضي الله عنها- في كنف النبوة وفي رحاب العطف الرباني، فقد زُجت بوحي، وبُرئت بوحي، حتى جاءت اللحظة الأخيرة، لحظة وفاة النبي –صلى الله عليه وسلم- بعد أن أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، وأصبحت محجة بيضاء تحيا عليها أمته، جاءه ما قدره الله على كل مخلوق وأخبره به في غير موضع من القرآن، قال تعالى” إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ” [8] وقال –عز من قائل- ” وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ”[9]
وسبق النهاية مرض ألم به –صلى الله عليه وسلم- علم منه النبي – صلى الله عليه وسلم أنه مرض الموت، لكن المرض أتاه في غير حجرة عائشة – رضي الله عنها- فنظر إلى أمهات المؤمنين –رضي الله عنهن- فكان الجواب العاجل نحب ما تحب فانتقل النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى حجرة أمنا عائشة –رضي الله عنها- ليُمرض عندها، يستند النبي –صلى الله عليه وسلم – إليها ورأسه بين ثغرها ونحرها، يشتهي السواك في يدي ابن الزبير فتأخذه أمنا عائشة –رضي الله عنها – منه وتعلله بفمها ثم تعطيه له فيستاك به –صلى الله عليه وسلم- فيختلط ريقه بريقها، فيكون آخر سائل في فمه الشريف ريقها، وآخر عهد للحبيب في الدنيا بين ثغرها ونحرها، كأن الله –تعالى- أراد أن يخبرنا أن الدين بدأ من الغار وانتهى حيث قُبض رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لتكون آخر دقة لقلب النبي –صلى الله عليه وسلم- تُسمع في هذه الحياة تسمعها أمنا عائشة –رضي الله عنها- وآخر نفس خرج من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- تنسمه بشر تنسمته عائشة –رضي الله عنها- وأخر قطرة عرق من النبي –صلى الله عليه وسلم – تعطر بها بشر كانت من نصيب أمنا عائشة –رضي الله عنها- وآخر نظرة من نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- لوجه بشر كانت لأمنا عائشة –رضي الله عنها- .
قُبض النبي –صلى الله عليه وسلم في حجرتها ودُفن النبي –صلى الله عليه وسلم- في حجرتها فالأنبياء يدفنون حيث يُقبضون، فتنعم أمنا عائشة –رضي الله عنه- بأنسه بعد موته –صلى الله عليه وسلم- ما بقي لها من عمر -رضي الله عنها وأرضاها- . وتحيا بعده –رضي الله عنها- بين المسلمين في كنف آيات البراءة والتكريم وأحاديث التشريف التي تجعلها كمالا فوق الكمال يوم أن قال النبي –صلى الله عليه وسلم- عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء: إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام “[10] فهي راسخة وجب لها كل التقدير –رضي الله عنها وأرضاها- . وقد مد الله –عز وجل – في عمرها فعاشت بعد النبي –صلى الله عليه وسلم- قرابة الثماني وأربعين سنة قضتها في تعليم الناس وتبلغ المسلمين سنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وتزيل الخطأ إن بدا قبل أن يتخذ له في الأمة موضعا. روت عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ألفين ومئتين وعشرة أحاديث 2210 .
وكانت لها المكانة الراسخة في العلم في كل فنونه عن هشام بن عروة قال: كان عروة يقول لعائشة: يا أمتاه، لا أعجب من فهمك، أقول: زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبنت أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر، وأيام الناس، أقول ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس أو من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو؟ ومن أين هو؟ قال: فضربت على منكبه وقالت: أي عرية، «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسقم عند آخر عمره، أو في آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فتنعت له الأنعات، وكنت أعالجها له، فمن ثم»[11] وكانت مرجعا لكبار الصحابة فيما أشكل عليهم ، يقول أبو موسى الأشعري –رضي الله عنه- : ما أشكل علينا أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم – حديث قط فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما.[12] وقيل لمسروق كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: «والذي لا إله غيره، لقد رأيت الأكابر من أصحاب محمد يسألونها عن الفرائض»[13] وهذا العلم الذي حوته أمنا عائشة يجعلنا نوقن أن الله اصطفاها لدينة فأدت ما اصطفاها الله –تعالى – له حتى جاءها الأجل وفاضت روحها إلى بارئها –عز وجل- في ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان سنة 58 وقيل 57 من الهجرة –رضي الله عنها وأرضاها-. وصار عبر الزمان إجلالها وتوقيرها ميزان يُعرف به المخلص من المنافق والمؤمن من الكافر الذي طبع الله على قلبه فخاض بالباطل ، أو رواغ بالمقال والمقصد واحد فيقول: لا نتهم عائشة بالفحشاء لأنها زوجة النبي –صلى الله عليه وسلم- وهذا محال في حق الأنبياء، هذا القول هو عين اللف والدوران ومن جنس مراوغة الثعالب، يشتهر به من يحترفون لحن القول، وقلوبهم تطفح باطلا وحقدا على أمنا عائشة –رضي الله عنها- ومعنى قولهم أن البراءة لأجل النبي –صلى الله عليه وسلم – أما لشخصها فلا، يساوون في ذلك بينها –رضي الله عنها – وزوجة نبي الله نوح- عليه السلام- وزوجة لوط –عليه السلام- خرست ألسنتهم، وتعفت أكبادهم، وعمي بصرهم ليكون كبصيرتهم، فهي زوجة النبي – صلى الله عليه وسلم- وهذا شرف، وهي في ذاتها ونفسها طاهرة مطهرة مزكاة من ربها –سبحانه-. انظر إلى قول المؤمنين كأبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- لتلحظ الفرق بين قول المخلصين وقول المجرمين المنافقين أنجاس الطبع والمقال. ذكر اسحاق ابن راهويه في مسنده أَنَّ امْرَأَةَ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَتْ لَهُ حِينَ قَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ أَيُّوبَ: أَكُنْتِ تَفْعَلِينَ ذَاكَ؟ فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ. فَقَالَ: فَعَائِشَةُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْكِ وَأَطْيَبُ. [14] هذا هو المقال المحمود الذي يقوله من آمن بالنبي وعرف قدر أهله ، وهذا الموقف الحازم من أبي أيوب ورده بيان للمسلمين وإرشاد لهم حول طريقة التعامل في مثل هذا الموقف ،رضي الله عن أمنا عائشة وجزاها الله عن الإسلام والمسلمين خيرا.
[1] – سورة النساء الآية165
[2] – سورة آل عمران الآية 164
[3] – سورة الأحزاب الآية 33
[4] – أخرجه البخاري في صحيحه كتاب مناقب الأنصار باب تزويج -النبي صلى الله عليه وسلم- عائشة – رضى الله عنها- وقدومها المدينة وبنائه بها 3895
[5] – أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المغازي باب غزوة ذات السلاسل 4358 وكتاب أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم- باب قول النبي – صلى الله عليه وسلم- ” لو كنت متخذا خليلا” 3662
ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر – رضي الله عنه- 2384
[6] – أخرجه البخاري في الأدب المفرد باب من انتصر من ظلمه 559 وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد رقم 558 و559
[7] – سورة النور الآية 14،15
[8] – سورة الزمر الآية 30، 31
[9] – سورة الأنبياء 34
[10] – أخرجه البخاري في صحيحه كتاب أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم – باب فضل عائشة 3769
[11] – أخرجه أحمد في مسنده مسند الصديقة عائشة –رضي الله عنها- 2438
[12] – أخرجه الترمذي وقال عنه حسن صحيح 3818 وصححه الألباني انظر مشكاة المصابيح 6185
[13] – سنن الدارمي باب في تعليم الفرائض 2901
[14] – مسند إسحاف بن راهويه 1698