تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمى

غزة تحت الحصار الخفي بين عالم فقد ضميره

د. محمد عبد العزيز – مستشار اعلامي دولي

 

إن خبر انتهاء الحرب على غزة لا يشكل إلا خداعاً بصرياً وإعلاماً مضللاً؛ هذا ما  تكشف عنه الأحداث والمشاهد الحالية من شوارع غزة وخيامها. إن أنظار العالم تتجه  غالباً نحو شاشات الهواتف والتلفاز حين ترتفع فقط أصوات الانفجارات، وتتراجع التغطية الإعلامية بمجرد انخفاض حدة القصف الجوي، مما يُعطي انطباعاً زائفاً لدى المجتمع الدولي بأن الحرب قد وضعت أوزارها. غير أن القراءة الدقيقة للمؤشرات الميدانية والأرقام الاقتصادية والإنسانية تؤكد أن الحرب لا تزال مستمرة لكن بأدوات مختلفة، أبرزها الحصار والتجويع والإنهاك المباشر. ففي الوقت الذي  تتراجع فيه عناوين الأخبار وتخفت أصوات الانفجارات القوية، يتواصل نوع آخر من الحرب الأكثر إيلاماً وإنهاكاً: حرب الحصار، والتجويع، وتدمير أسباب البقاء على قيد الحياة.

إن الحرب التي بدأت صبيحة السبت السابع من أكتوبر 2023م  عقب انطلاق عملية “طوفان الأقصى“. لم تنتهي بعد ، ومن يردد خلاف ذلك فهو مخادع أو واهم ، ولا أعفي الإعلام من المسؤولية وراء ذلك ، فنحن أمام  بون شاسع ملحوظ  بين الخطاب الإعلامي والواقع الميداني ، ما يؤكد أن غزة ترزخ تحت الحصار الخفي وما إنهاء الحرب سوى خداعاً بصرية وإعلاماً مضللاً كان له تواجد ودور رئيس خلال فترة الصراع وقت ان عمرت الساحة بالعديد من المسارات السياسية والأممية المختلفة ما أضفى واقعاً ضبابياً أعمي كثير من الأعين عن رؤية الحقيقة .

و على الرغم من إعلانات التهدئة أو قرارات وقف إطلاق النار الصادرة عن الجهات الدولية ، إلا أن التقييمات الميدانية والتقارير الأممية تؤكد أن التضييق والحصار والعمليات العسكرية الجزئية تواصلت بأشكال مختلفة، مما جعل ذلك مجرد محطات سياسية لم تنهِ المعاناة الإنسانية بشكل كامل على الأرض.

إن الواقع الذي نرصده لكم من غزة وعلى السنة أبنائها من قلب المعاناة  يؤكد أن الواقع  الحالي شديد المرارة  يستصرخ كل لحظة ضمائر العالم أن تلتفت لتسهم في تخفيف تلك الأعباء عن بشر لم يفترقوا جرماً واحداً يستحق ما يعانونه من دمار  . إن الواقع الميداني في غزة  لا يتحمله بشر ، ولا تصدقوا مزاعم انهاء الحرب فلم تُسجَّل نهاية رسمية أو كليّة  لها  حتى الآن. ورغم إعلانات التهدئة والقرارات الأممية وتفاهمات وقف إطلاق النار المتقطعة التي شهدتها الفترات الماضية، فإن الوقائع الميدانية من شهود العيان والبيانات الصادرة عن المنظمات الدولية تؤكد استمرار العمليات العسكرية المتقطعة، والتضييق الميداني، والحصار المشدد الذي يواصل استنزاف قطاع غزة إنسانياً واقتصادياً.

 إن حرباً شُرّد ونُزح فيها أكثر من 1.9 إلى 2 مليون فلسطيني (نحو 85% – 90% من سكان القطاع) داخل غزة، وسط ظروف معيشية وخيام لا تتوفر فيها أدنى المقومات الآدمية. لم تنتهي بعد ..

 ***

إن  المشاهد الحية من شوارع غزة وخيامها  وأحاديث أهلها المكلومين لتظهر حجم التدمير المنظم الذي جعل العودة للحياة الطبيعية مجرد وهم ، لقد عاد بعض النازحين – رغم معاناة وويلات رحلات عودتهم جراء التعامل غير الإنساني الذي تعرضوا له ممن يتاجرون في البشر ومآسيهم ، لكنهم عادوا إلى وطنهم فوجدوا حطام وطن فبات الليل لديهم كالنهار وأصبحت المعاناة مفردة رئيسة في كل تحركاتهم  نزوح ،  بقاء بعيدا عن الوطن المكلوم ،  رحلة عودة ،  عودة ) كل شي رائحته تزكم الانوف وسط صمت مطبق من عالم فقد ضميره .

واستناداً إلى التقارير اليومية الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية والبيانات الموثقة لدى الأمم المتحدة ووكالة (الأونروا): فإن الحرب قد حصدت أكثر من 74 الف شهيد فلسطيني يشكل الأطفال  والنساء منهم  النسبة الأكبر ؛ حيث بلغ عدد الشهداء من الأطفال أكثر من 18,000 طفل، بالإضافة إلى أكثر من 12,400 امرأة. بينما  يُقدَّر عدد المفقودين بأكثر من 14,000 شخص ممن طُمروا تحت الركام ويُعتقد استشهادهم من دون تمكن طواقم الإنقاذ من الانتشال نتيجة نقص المعدات. وهناك من المصابين   أكثر من 175 الف من تتنوع إصاباتهم بين الحالات الحادة، الحروق الجسيمة، والإعاقات الدائمة.

ولان لغة الأرقام كاشفة  لا تكذب فإن الخداع تفضحه الأرقام  ، فتؤكد البيانات الصادرة عن المؤسسات الدولية والأممية أن مفهوم “توقف الحرب” لا ينطبق مطلقاً على الوضع القائم في القطاع على عدة صعد ، وتظهر تلك  البيانات هوة سحيقة  بين الاحتياجات الأساسية لسكّان القطاع وبين ما يتم إدخاله فعلياً ونذكر منها ما يلي :-

  • أزمة المياه: لقد أدى تضرر شبكات المياه والمحطات إلى انخفاض حصة الفرد اليومية من المياه الصالحة للشرب إلى أقل من 3 إلى 5 لترات في اليوم، وهو ما يقل بنسبة 80% عن الحد الأدنى الموصي به من قبل منظمة الصحة العالمية –  15  لترًا يومياً –   كحد أدنى للبقاء على قيد  الحياة في حالات الطوارئ.

 

  • أزمة المجاعة: وفقاً لتقارير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، يواجه أكثر من 96% من سكان غزة (نحو 15 مليون نسمة) مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم مئات الآلاف يعيشون تحت خط الخطر المباشر للمجاعة.

 

  • جنون الأسعار : قد تسببت تقييدات المعابر والحصار المشدد في شلل تام للعجلة الاقتصادية، فأدى وتقليص دخول الشاحنات إلى ارتفاع جنوني في أسعار المواد الأساسية بنسب تتراوح بين 500% إلى 1000%، مما يجعل الحصول على أبسط مقومات العيش عجزاً كلياً لأغلب الأسر.

 

  • حجم الأنقاض: تقدر تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) حجم الركام والأنقاض المتراكمة في غزة بأكثر من 40 مليون طن، وتحتوي هذه الأنقاض على مخلفات خطرة وأجسام غير منفجرة تتطلب سنوات طويلة وموارد هائلة لإزالتها.

 

  • تدمير المأوى: لقد تأثرت البنية التحتية والوحدات السكنية بشكل مباشر، مما جعل تسيير الحياة اليومية أمراً شبه مستحيل، وهنا تُبين المسوح الجوية لمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) أن أكثر من 65%  من المباني والمنشآت السكنية قد تعرضت للتدمير الكلي أو الضرر الجسيم، مما أجبر أكثر من 9 مليون شخص (نحو 85% من السكان) على النزوح المتكرر والعيش في خيام متهالكة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء – لا تمت للآدمية بصلة.

 

  • نسبة البطالة والفقر: صعدت معدلات البطالة إلى مستويات قياسية تجاوزت 80% بسبب الشلل التام الذي أصاب القطاعات الاقتصادية والتجارية، في حين ارتفعت معدلات الفقر لتطال ما يزيد عن 90% من السكان بحسب إحصاءات UN

 

  • القطاع الصحي: لا يزال أكثر من 60% من المستشفيات المراكز الصحية خارج الخدمة نتيجة التدمير ونقص الوقود والمستلزمات الطبية، مما يحرم آلاف الجرحى والمرضى من الرعاية الأساسية.

 

إن تقليص حدة القصف الجوي أو إعلان التهدئة   أو تراجع التغطية الإعلامية في بعض الأوقات لا يعني بحال من الأحوال انتهاء الحرب أو وقف المعاناة  ، بل يعني الانتقال إلى مرحلة “الحرب الصامتة” التي تستهدف خنق السكان وإطباق الحصار عليهم. فما ذلك الخنق وانعدام المقومات الأساسية للحياة الآدمية من غذاء وماء ودواء وكهرباء، والعيش بين الركام والأنقاض، إلا  صور اً متعددة للحرب المستمرة التي ترهق كاهل المدنيين الأبرياء يومياً.  إن المشاهد القادمة من شوارع غزة وخيامها تظل الشاهد الحقيقي على أن المعاناة مستمرة، وأن أي حديث عن الاستقرار من دون فتح كامل وميسر للمعابر، وإدخال المساعدات بلا قيود، وابتعاد المتاجرون بالبشر من منعدمي الضمائر عن ذلك المشهد ، وبدء إعمار حقيقي.  إن غير ذلك  ليس سوى محاولة لاستمرار تغييب الوعي العالمي عن أكبر أزمة إنسانية يشهدها العصر الحديث.

   لابد من الاستفادة من التحول التاريخي الذي حدث جراء القضية الفلسطينية في آخر عامين في تغيير الواقع الحالي لقطاع غزة ، وتظهر  القراءة التحليلية للمواقف الدولية تحولاً تاريخياً وشاملاً في خريطة التضامن العالمي مع غزة وضد السياسات الصهيونية ؛ حيث لم يعد التضامن مقتصراً على المواقف السياسية التقليدية، بل امتد ليتخذ أشكالاً قانونية، دبلوماسية، واقتصادية حاسمة نذكر منها ما يلي :-

 

  • وجود أكثر من 50 دولة حول العالم  اتخذت مواقف قانونية ودبلوماسية حاسمة بعد أن دعمت دعوى الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية (ICJ)؛ ومن أبرز هذه الدول: تركيا، كولومبيا، نكاراجوا، بوليفيا، البرازيل، مصر، الأردن، إسبانيا، إيرلندا، بلجيكا، المكسيك، تشيلي، والمغرب، بالإضافة إلى منظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية.

 

  • اتخذت عدة دول خطوات إجرائية مباشرة بمقاطعة إسرائيل دبلوماسياً، منها: قطع كامل للعلاقات مثل بوليفيا، كولومبيا، نكاراجوا، ومقدونيا الشمالية. وبعضها سحبت السفراء مثل  : تركيا، تشيلي، البرازيل، هندوراس، الأردن، وتشاد.

 

  • ميلاد إجماع أممي آخر تمثل في اعتراف 146 دولة عضوة في الأمم المتحدة (من أصل 193) رسمياً بالدولة الفلسطينية،  كما شهدت الفترات الأخيرة انضمام دول أوروبية بارزة لهذا الاعتراف تاريخياً مثل: إسبانيا، إيرلندا، والنرويج، تليها سلوفينيا وأرمينيا.

 

  • على صعيد التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة وجدنا تصويت من أغلبية ساحقة تتراوح بين 140 إلى 153 دولة لصالح قرارات الوقف الفوري لإطلاق النار، وإدخال المساعدات، ورفع الحصار، وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني.

 

  • اتخذت مجموعة متزايدة من الدول الغربية واللاتينية قرارات بوقف وتجميد تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية لإسرائيل، ومنها: إسبانيا وكندا وهولندا وبلجيكا وبريطانيا: فرضت قيوداً جزئية أو كاملة على تراخيص وتصدير مبيعات السلاح والعتاد العسكري.

 

ويكشف  ملخص لخريطة التضامن العالمي تبني 57 دولة عربية وإسلامية حول العالم موقفاً ًموحداً من خلال جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي للمطالبة بإنهاء الحصار ووقف الحرب ورفع المعاناة. ووجود دول من  أمريكا اللاتينية وإفريقيا تقود  الحراك القانوني والأخلاقي الدولي في المحاكم الدولية وقطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية. ناهيك عن التحول  الكبير في بعض أهم العواصم الأوروبية فانتقلت دول مهمة  (مثل إسبانيا وإيرلندا والنرويج وسلوفينيا) من مربع الحياد إلى التضامن الصريح والاعتراف الرسمي بدولة فلسطين وفرض العقوبات  ، ولنا وقفة مع دولة ايرلندا خاصة لأنها أحد معاقل صناعة وعد بلفور فيعد تحولها أمرا بالغ الأهمية . ورغم كل هذا التحول العالمي الكبير لكن غزة لا زالت تعاني ، فلابد من اليات جديدة على أرض الواقع يلمسها المواطن في غزة للاستفادة من ذلك التحول   نحو تغيير الواقع الحالي لقطاع غزة .

  

وختاماً

على ضمائر العالم أن تستيقظ لتنقذ أهل غزة فالأرقام السابقة تؤكد أن توقف الغارات الجوية المكثفة لا يعني نهاية الحرب. إن الحصار المشدد، وتدمير مقومات الحياة، وشح الموارد الأساسية هي أدوات حرب غير مباشرة تؤدي إلى تدهور مستمر في الوضع الإنساني، مما يستدعي تحركاً دولياً جاداً لا يقتصر على الصمت أو التهدئة المؤقتة، بل يركز على فك الحصار الكامل، وفتح المعابر، وتوفير مقومات الحياة الآدمية لسكان القطاع. إن التذكير الدائم بهذه القضية والإبقاء على وعي العالم بحقيقة ما يجري على الأرض هو أمر في غاية الأهمية من كل أصحاب الرأي والضمير -لاسيما الإعلاميون –  لضمان عدم نسيان أهل غزة، وللمطالبة المستمرة بفك الحصار، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات الإنسانية العاجلة، وإعادة بناء ما دمره الاحتلال.

شارك المقالة

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *