تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمى

تحولات السلطة المعرفية ومستقبل الوعي الإنساني

د. سولاف الزغبي

من يملك الحقيقة في عصر الخوارزميات؟

تحولات السلطة المعرفية ومستقبل الوعي الإنساني

بقلم: د. سلافة فاروق الزعبي – باحثة وأكاديمية متخصصة في الإعلام والاتصال

 

لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في عصرنا: كيف نصل إلى الحقيقة؟ بل أصبح: من يحدد لنا الطريق إليها؟ ومن يمتلك القدرة على جعل بعض الحقائق مرئية، بينما تبقى حقائق أخرى خارج مجال انتباهنا وإدراكنا؟

في زمن كانت فيه الصحافة والمؤسسات الأكاديمية ومراكز البحث تشكل أبرز المرجعيات المنظمة لإنتاج المعرفة العامة وتداولها، كان الصراع على الحقيقة يدور أساسًا حول امتلاك المعلومة وتفسيرها والتحكم في وسائل نشرها. أما اليوم، فقد دخل إلى هذا الصراع فاعل جديد لا يكتفي بنقل المعرفة، بل يشارك في ترتيبها وتصنيفها وتلخيصها وإعادة تقديمها، وفق منظومات حسابية معقدة لا يدرك المستخدم العادي منطق عملها بالكامل.

إنها الخوارزميات، تلك البنى التقنية التي أصبحت تتوسط علاقتنا بالأخبار والأفكار والقضايا السياسية والاجتماعية، وتؤثر في ما نقرأه وما نشاهده وما نمنحه اهتمامنا، وربما في ما نعتقد أنه يستحق أن يكون موضع تفكيرنا أصلًا.

وهنا تتشكل إشكالية فلسفية واتصالية عميقة: هل ما زال الإنسان يمارس استقلاله المعرفي في البيئة الرقمية، أم أن جزءًا من سلطته في اختيار مصادر المعرفة وترتيب أولوياتها قد انتقل إلى أنظمة تقنية تتحكم في شروط ظهور المعلومات وانتشارها؟

الحقيقة بين السلطة والمعرفة

لم تكن العلاقة بين الحقيقة والسلطة يومًا علاقة بسيطة أو محايدة. فقد كشف الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، في تحليلاته للعلاقة بين المعرفة والسلطة، أن إنتاج الخطابات المقبولة بوصفها حقيقة يرتبط بمؤسسات وممارسات وقواعد اجتماعية تحدد ما يمكن الاعتراف به معرفة مشروعة.

ولا يعني ذلك أن الحقيقة ليست سوى اختراع سياسي، أو أن الوقائع الموضوعية غير موجودة، بل إن الاعتراف الاجتماعي بالمعرفة وتداولها يخضعان لشروط تاريخية ومؤسسية تستحق التحليل النقدي.

وفي ضوء هذا التصور، يمكن النظر إلى الخوارزميات باعتبارها جزءا من البنية المعاصرة التي تنظم ظهور المعرفة وانتشارها. فهي لا تخلق جميع الوقائع، لكنها تستطيع التأثير في ترتيب المعلومات المتعلقة بها، وفي احتمالات وصولها إلى الجمهور.

وهنا يكمن التحول الجوهري: لم تعد السلطة المعرفية مرتبطة فقط بمن ينتج الخبر، بل أصبحت مرتبطة أيضا بمن يمتلك البنية التكنولوجية التي تحدد قابلية الخبر للاكتشاف والانتشار.

إن الفرق بين امتلاك الحقيقة وامتلاك القدرة على إظهارها فرق بالغ الأهمية، فقد تكون المعلومة صحيحة وموثقة، لكنها لا تحظى بالانتشار، في حين تتصدر معلومات مضللة المجال العام نتيجة التفاعل الكثيف أو التصميم الخوارزمي أو الحملات المنظمة.

ومن ثم، فإن الهيمنة المعرفية في البيئة الرقمية لا تستلزم بالضرورة إخفاء الحقيقة، فقد تتحقق أحيانا عبر إغراق المجال العام بفيض من المعلومات المتنافسة، حتى يصبح التمييز بين المهم والهامشي، وبين الموثوق والمضلل، مهمة مرهقة للمتلقي.

من حارس البوابة الى مهندس الظهور

قدمت نظرية حارس البوابة الإعلامية إطارا لتفسير كيفية اختيار الأخبار واستبعادها داخل المؤسسات الصحفية، حيث مارس المحررون والصحفيون دورا مركزيا في تحديد ما يستحق النشر.

غير أن البيئة الرقمية أعادت توزيع هذه الوظيفة بين أطراف متعددة، تشمل المؤسسات الإعلامية، والمنصات التكنولوجية، والمعلنين، وصناع المحتوى، والمستخدمين، وأنظمة التوصية والترتيب الآلي.

ولم يعد السؤال مقتصرا على: من يقرر نشر الخبر؟ بل امتد الى: من يقرر أن يظهر هذا الخبر أولا، ولمن، وفي أي سياق، وبأي درجة من التكرار؟

هذا التحول يدفعنا الى التفكير في مفهوم يمكن تسميته “هندسة الظهور المعرفي”، بوصفه إطارا تحليليا مقترحا لفهم الكيفية التي تؤثر بها الأنظمة الرقمية في قابلية المعلومات للوصول إلى الجمهور.

فالمحتوى الذي يتصدر شاشة المستخدم لا يعكس بالضرورة أهميته العامة أو قيمته المعرفية، بل قد يتأثر بمؤشرات التفاعل، والتفضيلات السابقة، والأهداف التجارية، وتصميم المنصة، وغير ذلك من العوامل.

وهكذا يصبح ترتيب المعلومات فعلا ذا آثار معرفية واجتماعية، حتى عندما لا يكون الهدف المباشر منه توجيه المواقف السياسية.

الذكاء الاصطناعي: حين تتحول المعرفة الى إجابة جاهزة

تتخذ هذه الإشكالية أبعادا أكثر تعقيدا مع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

ففي محركات البحث التقليدية، كان المستخدم يتلقى غالبا مجموعة من الروابط التي تتيح له الانتقال الى مصادر متعددة ومقارنتها. أما تطبيقات المحادثة الذكية ومحركات الإجابة، فتستطيع تقديم استجابة موحدة ومتماسكة لغويا، تختزل عددا كبيرا من المعلومات في نص واحد.

وهذه القدرة تمثل إنجازا تقنيا مهما في تسهيل الوصول إلى المعرفة، لكنها تثير في الوقت ذاته سؤالا معرفيا حساسا: ماذا يحدث عندما تصبح الإجابة أكثر حضورا من مصادرها؟

إن الطلاقة اللغوية للنموذج لا تعني بالضرورة صحة المعلومات التي يقدمها، كما أن الاتساق الظاهري للنص لا يضمن سلامة الاستدلال أو اكتمال السياق.

والأخطر من الخطأ المباشر هو احتمال أن تتحول الإجابة الجاهزة الى بديل عن الممارسة النقدية التي تقتضي المقارنة والتحقق والتساؤل.

لكن من الضروري عدم المبالغة في هذا التصور، فالذكاء الاصطناعي لا يلغي قدرة الإنسان على التفكير المستقل، بل تتحدد آثاره بحسب طبيعة الاستخدام، ومستوى الثقافة الإعلامية، وتصميم النظام، ومدى شفافيته في إظهار المصادر وحدود المعرفة.

وعليه، فإن الإشكالية ليست في وجود الآلة بوصفها وسيطا معرفيا، بل في احتمالية انتقال المستخدم من التعامل معها باعتبارها أداة للمساعدة في التفكير، الى التعامل معها بوصفها مرجعية نهائية لا تحتاج الى مساءلة.

أزمة الثقة في زمن الوفرة المعلوماتية

تكشف التحولات الراهنة عن مفارقة لافتة: فكلما ازدادت سهولة الوصول الى المعلومات، أصبحت الثقة في مصادرها أكثر تعقيدا.

وقد أظهر تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد أن 54% من المشاركين، في المتوسط عبر الأسواق الثماني والأربعين المشمولة بالدراسة، يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الفيديو للحصول على الأخبار، مقارنة بنسبة 51% يستخدمون المواقع والتطبيقات التابعة للمؤسسات الإخبارية.

كما أشار التقرير الى أن 10% يستخدمون روبوتات المحادثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي للحصول على الأخبار أسبوعيا، بينما بلغت نسبة الثقة العامة في الأخبار 37%.

ولا تعني هذه المؤشرات أن الخوارزميات تسببت وحدها في تراجع الثقة، إذ تتداخل في الظاهرة عوامل سياسية ومؤسسية واقتصادية واجتماعية متعددة. لكنها تكشف أن العلاقة بين الجمهور والمعرفة الإخبارية تشهد تحولا يستحق الدراسة.

لقد أصبح الفرد قادرا على الوصول الى كم هائل من المحتوى، لكنه بات مطالبا ببذل جهد أكبر لتقييم مصداقيته، والتمييز بين الوقائع والتفسيرات، وبين المعلومات المستقلة والمحتوى المصمم لتحقيق أهداف تجارية أو سياسية.

ومن هنا، لا يمكن قياس تقدم المجتمعات معرفيا بحجم المعلومات المتاحة وحدها، بل بقدرتها على تحويل هذه المعلومات الى معرفة موثوقة قابلة للفحص والمراجعة.

السيادة المعرفية العربية في مواجهة التبعية الرقمية

تكتسب هذه التحولات أهمية خاصة في المجتمعات العربية، حيث يبرز سؤال السيادة المعرفية بوصفه امتدادا معاصرا للنقاش حول الاستقلال الثقافي والإعلامي.

فحين تعتمد المؤسسات الإعلامية والبحثية والتعليمية اعتمادا واسعا على بنى تكنولوجية تطورها شركات خارج المنطقة، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى حضور اللغة العربية والسياقات الثقافية المحلية والتاريخ السياسي العربي في تصميم هذه الأنظمة وتدريبها وتقييم أدائها.

غير أن الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية لا يعني تلقائيا وقوع تبعية معرفية كاملة، كما أن تطوير نماذج محلية لا يضمن بحد ذاته الحياد او الاستقلال. فالسيادة المعرفية تتطلب منظومة متكاملة من البحث العلمي، والبنية التحتية الرقمية، والحوكمة الرشيدة، والقدرة على مساءلة التقنيات وتقييم مخرجاتها.

ومن هذا المنطلق، فإن التحدي العربي لا يتمثل في الانغلاق على الذات أو رفض التكنولوجيا العالمية، بل في الانتقال من موقع الاستهلاك غير النقدي الى موقع المشاركة الفاعلة في إنتاج المعرفة وتصميم أدواتها ووضع معاييرها الأخلاقية.

إن الأمة التي لا تسهم في بناء أدوات المعرفة المعاصرة قد تجد نفسها مضطرة الى تفسير واقعها من خلال منظومات لم تشارك بما يكفي في صياغة افتراضاتها وأولوياتها.

وهذا احتمال يستدعي البحث والتخطيط، لا خطابا حتميا يفترض أن جميع الأنظمة الرقمية تمارس الهيمنة بالطريقة ذاتها.

نحو أخلاقيات جديدة للسلطة الخوارزمية

إن مواجهة التحديات المعرفية لا تتحقق بإدانة الخوارزميات أو تمجيدها، وإنما ببناء علاقة أكثر نضجًا بين الإنسان والتكنولوجيا.

وتبدأ هذه العلاقة من الاعتراف بأن أنظمة الترتيب والتوصية وتوليد الإجابات ليست مجرد أدوات محايدة تماما، إذ تتأثر بقرارات بشرية تتعلق بالتصميم والتدريب ومعايير الأداء والأهداف الاقتصادية.

ومن هنا تبرز الحاجة الى تعزيز الشفافية الخوارزمية، وإتاحة آليات المساءلة والتدقيق المستقل، وحماية التعددية الإعلامية، وتمكين الأفراد من فهم الأسس العامة التي تؤثر في وصول المعلومات إليهم.

كما ينبغي أن تنتقل التربية الإعلامية من التركيز التقليدي على التمييز بين الخبر والرأي الى تنمية مهارات أعمق، تشمل فهم الوساطة الخوارزمية، وتقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي، وتتبع المصادر، واكتشاف الانحيازات المحتملة.

فالمواطن الرقمي لا يحتاج الى امتلاك المعرفة التقنية المتخصصة بكل تفاصيلها، لكنه يحتاج الى وعي نقدي يجعله قادرا على مساءلة ما تقدمه التكنولوجيا بدل الاكتفاء بتلقيه.

الحقيقة لا تحتاج الى مالك بل الى شروط تحميها

لعل السؤال الذي انطلقنا منه، “من يملك الحقيقة في عصر الخوارزميات؟”، يقودنا في النهاية الى إدراك أكثر عمقا: إن الحقيقة، بمعناها المعرفي، ليست ملكية حصرية لمؤسسة أو دولة أو شركة تكنولوجية.

لكن شروط الوصول إليها وتداولها والتحقق منها قد تخضع لتفاوتات كبيرة في القوة والموارد والنفوذ.

وهنا تكمن القضية المركزية لعصرنا، فالمشكلة ليست أن الآلة أصبحت قادرة على إنتاج النصوص والإجابات، بل أن المجتمعات قد تسمح بتراكم سلطة معرفية واسعة داخل بنى تقنية لا تتوافر دائما وسائل كافية لمساءلتها.

إن الدفاع عن استقلال العقل الإنساني لا يعني مقاومة التطور التكنولوجي، بل يعني إخضاعه لقيم المعرفة والحرية والمسؤولية والكرامة الإنسانية.

فالمستقبل الذي يستحق أن نبنيه ليس مستقبلا تختفي فيه الخوارزميات من حياتنا، وإنما مستقبلا لا تتحول فيه الى سلطة فوق النقد.

وإذا كانت المعرفة قوة، فإن أعظم ضمانة لحرية الإنسان ليست أن يمتلك جميع الإجابات، بل أن يحتفظ بحقه في السؤال، وقدرته على الشك المنهجي، وشجاعته في البحث عن الدليل.

يتبع في المقال الثاني: “الاستعمار الخوارزمي: هل أصبح العالم العربي مستهلكا للمعرفة الرقمية؟”

 

شارك المقالة

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *