في إطار التوجهات العالمية والإقليمية نحو تعزيز الاستدامة البيئية والتحول الرقمي الذكي، طرحت المستشار بالمنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي ، استاذ نظم المعلومات المساعد ووكيل خدمة المجتمع بمعهد تكنولوجيا المعلومات – كفر الشيخ – مصر ، وعضو اللجنة الوطنية للذكاء الاصطناعي – مصر أ.م.د منال البلقاسي أول من أمس في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة ، في يوم البيئة العالمي ، رؤية متكاملة تربط بين التكنولوجيا الحديثة والإدارة الاستراتيجية للمرافق والبنية التحتية. وقد اتسمت الكلمة بطرح أكاديمي ومهني متوازن يجمع بين الجوانب التقنية والإدارية والاقتصادية والبيئية، مؤكدة أن التحول نحو المرافق الذكية لم يعد خياراً ترفيهياً أو تكنولوجياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات التنمية المستدامة والقدرة التنافسية للمؤسسات والدول.
استهلت الباحثة التأكيد على الأهمية المحورية لقضية تحويل المرافق التقليدية إلى مرافق ذكية مستدامة، موضحة أن هذه القضية تمثل أحد أهم مرتكزات البقاء الاقتصادي والبيئي في العصر الرقمي. وقد أبرزت أن التطورات التكنولوجية المتسارعة تفرض على المؤسسات إعادة النظر في نماذج إدارة الأصول والخدمات والمرافق، بحيث تنتقل من النماذج التقليدية القائمة على رد الفعل إلى نماذج استباقية تعتمد على الذكاء والتحليل والتنبؤ. ويعكس هذا الطرح فهماً عميقاً للعلاقة بين التكنولوجيا والتنمية المستدامة، حيث لم تعد التقنيات الحديثة مجرد أدوات تشغيلية، وإنما أصبحت محركات رئيسية للتغيير المؤسسي والتحول الاستراتيجي.
بالاضافة الي التركيز على أن جوهر التحول الرقمي لا يكمن في البرمجيات أو الأكواد البرمجية بحد ذاتها، وإنما في التطبيقات الإدارية الاستراتيجية القادرة على توظيف التكنولوجيا لخدمة أهداف المؤسسة. وقد أكدت المتحدثة من واقع تخصصها في علوم الحاسب ونظم معلومات الأعمال أن القيمة الحقيقية للتكنولوجيا تظهر عندما تتحول البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرارات استراتيجية فعالة. ويعكس هذا الطرح أحد أهم الاتجاهات الحديثة في الإدارة الرقمية التي ترى أن التكنولوجيا لا تحقق قيمتها إلا من خلال قدرتها على دعم صناع القرار وتطوير كفاءة العمليات وتحسين جودة الخدمات.
تم تناول مفهوم اتخاذ القرار المبني على البيانات Data-Driven Decision Making، باعتباره الركيزة الأساسية لنجاح المرافق الذكية. فقد أوضحت أن المؤسسات الحديثة أصبحت تمتلك كميات ضخمة من البيانات الناتجة عن العمليات التشغيلية وأجهزة الاستشعار والأنظمة الرقمية المختلفة، وأن التحدي الحقيقي لا يكمن في جمع البيانات وإنما في تحليلها واستخراج المعرفة منها. ومن خلال هذا التوجه تستطيع المؤسسات الانتقال من الإدارة التقليدية القائمة على التقديرات الشخصية إلى إدارة علمية تعتمد على مؤشرات الأداء والحقائق الرقمية، بما يساهم في رفع كفاءة استغلال الموارد وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين.
أيضا مفهوم البث اللحظي للبيانات Real-Time Data Streaming والصيانة التنبؤية Predictive Maintenance، باعتبارهما من أهم التطبيقات العملية للتحول الذكي في المرافق. وأشارت إلى أن المؤسسات أصبحت قادرة اليوم على مراقبة أداء الأصول والمعدات بشكل مستمر وفوري، وتحليل الأنماط التشغيلية واكتشاف المؤشرات المبكرة للأعطال قبل وقوعها. ويسهم هذا التوجه في تقليل فترات التوقف غير المخطط لها، وخفض تكاليف الصيانة، وإطالة العمر الافتراضي للأصول، فضلاً عن تعزيز موثوقية الخدمات وتحسين تجربة المستخدم النهائي. ويعكس ذلك تحولاً جوهرياً في فلسفة إدارة المرافق من الصيانة العلاجية إلى الصيانة الاستباقية المعتمدة على التحليل الذكي للبيانات.
ومن أبرز المحاور أيضا الإشارة إلى تقنيات التوأم الرقمي Digital Twins وإنترنت الأشياء Internet of Things ودورهما في إعادة تشكيل بيئة المرافق التقليدية. فقد أوضحت المتحدثة أن دمج هذه التقنيات في البنية التحتية القائمة من خلال عمليات التحديث الذكي للمرافق Smart Facility Retrofitting لا يقتصر على استبدال المعدات أو إضافة أجهزة استشعار جديدة، بل يمثل عملية تحول مؤسسي شاملة تؤدي إلى بناء نسخة رقمية متكاملة للمرافق الحقيقية، تسمح بالمراقبة والتحليل والمحاكاة واتخاذ القرارات بصورة أكثر دقة وفاعلية. ويعد هذا التوجه من أكثر الاتجاهات تطوراً في إدارة الأصول الذكية، حيث يسهم في تحسين الأداء التشغيلي وتقليل استهلاك الطاقة والموارد الطبيعية.
وفيما يخص البعد الاقتصادي لهذا التحول تم التركيز علي تعظيم العائد على الاستثمار ROI، حيث أوضحت أن الاستثمار في التكنولوجيا الذكية لا ينبغي النظر إليه باعتباره تكلفة إضافية، بل باعتباره استثماراً طويل الأجل يحقق وفورات كبيرة في التشغيل والصيانة والطاقة وإدارة الموارد. ويؤدي ذلك إلى رفع كفاءة الأداء المؤسسي وتحسين القدرة التنافسية وتحقيق الاستدامة المالية للمؤسسات. كما أن البيانات الدقيقة والتحليلات المتقدمة توفر أساساً قوياً لتقييم المشروعات واتخاذ قرارات استثمارية أكثر رشادة وفعالية.
وعلى المستوى البيئي والمؤسسي اكدت الباحثية علي أهمية الامتثال لمعايير الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية ESG Compliance، باعتبارها من المتطلبات الأساسية للمؤسسات الحديثة. وقد ربطت المتحدثة بين التحول الرقمي الذكي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، موضحة أن التكنولوجيا أصبحت أداة رئيسية في قياس الأثر البيئي وترشيد استهلاك الموارد وتقليل الانبعاثات وتحسين كفاءة الطاقة. كما يسهم الالتزام بمعايير الحوكمة والاستدامة في تعزيز ثقة المستثمرين وأصحاب المصلحة وتحسين السمعة المؤسسية على المستويين المحلي والدولي.
وفي إطار الرؤية الوطنية والإقليمية، أبرزت الكلمة التوافق الكامل بين تطبيقات المرافق الذكية واستراتيجية “مصر 2030” والرؤى التنموية العربية الهادفة إلى بناء اقتصادات مستدامة قائمة على المعرفة والابتكار. وقد أوضحت أن التحول الرقمي في المرافق والبنية التحتية يمثل أحد المحركات الأساسية لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ويسهم في رفع جودة الحياة وتحسين الخدمات العامة وتعزيز كفاءة إدارة الموارد الوطنية.
واختتمت المتحدثة كلمتها بالتأكيد على المسؤولية المشتركة الواقعة على عاتق المؤسسات الأكاديمية والبحثية والقطاع الصناعي والمهني في دعم هذا التحول. وقد شددت على أهمية كسر عزلة البيانات وبناء جسور قوية بين البحث العلمي والتطبيق العملي، بحيث تتحول المعرفة الأكاديمية إلى حلول واقعية تسهم في معالجة التحديات المجتمعية والتنموية. كما أكدت أن التكنولوجيا لا ينبغي أن تُنظر إليها باعتبارها أدوات جامدة، وإنما باعتبارها شريكاً استراتيجياً قادراً على المساهمة في بناء مستقبل عربي أكثر استدامة وابتكاراً وتنافسية.