المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمى

من خطاب المناخ إلى هندسة التحول الاجتماعي والاقتصادي

الانتقال العادل في المنطقة العربية: من خطاب المناخ إلى هندسة التحول الاجتماعي والاقتصادي

 

بقلم مستشار المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي أ.د نبيل مدني

لم يعد النقاش المناخي اليوم مقتصراً على خفض الانبعاثات أو توسيع الاستثمارات الخضراء، بل بات يتعلق أيضاً بسؤال أكثر عمقاً: كيف يمكن إدارة التحول البيئي والطاقي من دون إنتاج اختلالات اجتماعية جديدة؟ من هنا تبرز أهمية مفهوم الانتقال العادل، الذي أصبح أحد أكثر المفاهيم حضوراً في الأدبيات الدولية المعاصرة المرتبطة بالسياسات المناخية والتنمية المستدامة.

وتعرّف الأمم المتحدة، من خلال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الانتقال العادل بوصفه مقاربة تقوم على إدماج مبادئ العدالة الاجتماعية والإنصاف في سياسات العمل المناخي وممارساته. كما تؤكد أن هذا الانتقال، إذا أُحسن تصميمه، يمكن أن يخلق وظائف خضراء جديدة، ويدعم الحلول المحلية، ويعزز التنمية المستدامة، ويقوي التأييد المجتمعي للعمل المناخي، بينما قد يؤدي سوء تدبيره إلى توسيع الفوارق الاجتماعية وإضعاف التنافسية وخلق توترات إضافية.

لماذا يكتسي الانتقال العادل أهمية خاصة في المنطقة العربية؟
تكتسب هذه الفكرة وزناً خاصاً في المنطقة العربية، لا بسبب هشاشة المناخ فقط، بل أيضاً بسبب الطبيعة المركبة لتحدياتها التنموية. فالعديد من الدول العربية تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً مناخية، واختلالات في سوق الشغل، وتفاوتات مجالية، ومحدودية في التمويل، وحاجة متزايدة إلى إعادة هيكلة نماذج النمو. لذلك فإن أي انتقال أخضر لا يراعي البعد الاجتماعي والمؤسساتي قد يتحول من فرصة إلى مصدر جديد للتفاوت والإقصاء.
في هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الانتقال العادل باعتباره مجرد شعار توافقي، بل بوصفه إطاراً لإعادة هندسة العلاقة بين البيئة والاقتصاد والمجتمع. فجوهره الحقيقي يكمن في ضمان ألا تتحمل الفئات الأكثر هشاشة كلفة التحول وحدها، وألا تبقى فوائد الاقتصاد الأخضر حكراً على قطاعات أو نخب بعينها، بل أن تتوزع بصورة أكثر إنصافاً داخل المجتمع وبين الأقاليم والفئات.

من العدالة المناخية إلى العدالة التنموية
تكمن قوة مفهوم الانتقال العادل في أنه يربط بين العدالة المناخية والعدالة التنموية. فالتحول نحو الطاقات النظيفة، وكفاءة الطاقة، والنقل المستدام، والصناعات منخفضة الكربون، لا يحقق غايته الكاملة إذا لم يقترن بسياسات للتكوين وإعادة التأهيل المهني، وبرامج لحماية الفئات المتأثرة، وآليات للتمويل العادل، ومساحات فعلية للحوار الاجتماعي والمؤسساتي. ولهذا السبب، فإن الانتقال العادل لا يقتصر على البعد الاقتصادي المباشر، بل يشمل أيضاً أسئلة الحوكمة: * من يقرر؟ * ومن يستفيد؟ * ومن يتحمل الكلفة؟ * وكيف تُبنى الثقة المجتمعية حول التحولات الكبرى؟ هذه الأسئلة تجعل من الانتقال العادل موضوعاً متعدد التخصصات بامتياز، يتقاطع فيه القانون، والاقتصاد، والسياسات العمومية، والعلوم الاجتماعية، والتخطيط الترابي، والدراسات البيئية.

ما الذي تحتاجه المنطقة العربية؟
إذا كان الانتقال العادل يمثل أفقاً واعداً، فإن ترجمته العملية في المنطقة العربية تستلزم، في تقديرنا، خمسة شروط أساسية:
* أولاً: بناء رؤية وطنية واضحة
لا يمكن الحديث عن انتقال عادل من دون تصور وطني متماسك يحدد القطاعات ذات الأولوية، والفئات المعنية، والمخاطر الاجتماعية المحتملة، والفرص الاقتصادية الممكنة. فغياب الرؤية يحول التحول الأخضر إلى إجراءات متفرقة بدل أن يجعله سياسة عمومية متكاملة.

* ثانياً: تأمين البعد الاجتماعي للتحول
أي انتقال طاقي أو بيئي يظل ناقصاً إذا لم يواكبه استثمار جاد في التشغيل الأخضر، وإعادة التأهيل المهني، ودعم الشباب والنساء، وتمكين الفئات الهشة من الاستفادة الفعلية من اقتصاد التحول، لا أن تكون فقط موضوعاً لخطابه.

* ثالثاً: تطوير أدوات تمويل مبتكرة وعادلة
يؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أهمية توسيع أدوات التمويل التي تجعل التحول الأخضر قابلاً للتنفيذ وشاملاً في آن واحد. وفي المنطقة العربية، تتضاعف الحاجة إلى أدوات تمويل تستوعب خصوصية الاقتصادات المحلية وتحدياتها، وتربط بين الاستثمار الأخضر والأثر الاجتماعي.

* رابعاً: ترسيخ الحوكمة القانونية والمؤسساتية
الانتقال العادل ليس مجرد حزمة مشاريع، بل يحتاج إلى إطار قانوني وتنظيمي قادر على تأطير المصالح المتعارضة، وضمان الإنصاف، وتحفيز الفاعلين، وتوزيع الأدوار والمسؤوليات. فكل تحول كبير لا تؤطره قواعد واضحة ومؤسسات فعالة قد يفقد شرعيته أو يتعثر في التطبيق.

* خامساً: الانطلاق من الحلول المحلية
من أهم ما يشدد عليه الخطاب الأممي حول الانتقال العادل أن نجاحه يمر عبر الحلول المحلية والمقاربات التشاركية. وهذا مهم جداً في العالم العربي، حيث تختلف الأوضاع من دولة إلى أخرى، بل ومن جهة إلى أخرى داخل الدولة نفسها. فلا انتقال عادل من دون فهم دقيق للواقع الاجتماعي والمجالي، ومن دون إشراك المجتمعات المحلية في صناعة الحلول.

الانتقال العادل ليس ترفاً مفاهيمياً
قد يُنظر إلى مفهوم الانتقال العادل أحياناً باعتباره تعبيراً سياسياً مرناً أو لغة أممية توافقية، لكنه في الواقع يمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم مستقبل التنمية في العقود المقبلة. فالتحول الأخضر، إذا لم يكن عادلاً، قد يفقد مشروعيته الاجتماعية. وإذا لم يكن منصفاً، قد يواجه مقاومة سياسية ومجتمعية. وإذا لم يكن مؤسسياً، قد يبقى مجرد إعلان نوايا.
ومن هنا، فإن التحدي الأكبر في المنطقة العربية لا يتمثل فقط في الولوج إلى الاقتصاد الأخضر، بل في كيفية الولوج إليه: هل سيكون انتقالاً يوسع الفرص ويعزز الصمود ويولد الثقة؟ أم انتقالاً ينتج تفاوتات جديدة ويزيد هشاشة الفئات الأقل قدرة على التكيف؟

نحو أجندة عربية للانتقال العادل
إن الحاجة اليوم لم تعد فقط إلى تبني المفهوم، بل إلى تطوير أجندة عربية للانتقال العادل، تقوم على البحث العلمي الرصين، وتبادل الخبرات، وبناء المعرفة التطبيقية، وربط السياسات المناخية بأولويات التنمية الوطنية والإقليمية.
وفي هذا الإطار، يمكن للمؤسسات البحثية العربية أن تضطلع بدور محوري في:
* تأصيل المفهوم علمياً في السياقات العربية، – * تحليل آثاره القانونية والاجتماعية والاقتصادية، – * اقتراح نماذج وطنية وإقليمية قابلة للتنفيذ،
* وبناء جسور بين المعرفة الأكاديمية وصناعة القرار.

فالانتقال العادل ليس فقط ملفاً من ملفات المناخ، بل هو اختبار لقدرة الدول والمجتمعات على إدارة التحول التاريخي الجاري بطريقة منصفة وفعالة ومستدامة.

 

نبذة عن الكاتب:
عضو مجلس ادارة المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي – المدير المساعد لمختبر البحث في الذكاء الاستراتيجي، التدبير والقانون، – خبير في التشريع البيئي ومؤسس مكتب MADANI LEX-NEXUS ADVISORY. – مؤلف “موسوعة قانون البيئة المغربي” (4 مجلدات) وكتاب “قانون النفايات والتنمية المستدامة”. – يقود أول منصة LegalTech تعتمد الذكاء الاصطناعي في القانون البيئي بالمغرب.

شارك المقالة

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *