بقلم : د . ماجد الخواجا
منذ 1446 سنة هجرية ورمضان شهر الركن الرابع من أركان الإسلام الخمس، ويجيء كل مرّةٍ أقل بعشرة أيام عن الشهر الذي كان في العام السابق، والمسلم الذي يعيش إلى عمر الستين أو السبعين، فهو يعاصر رمضان في مختلف الفصول والأشهر الشمسية لمرتين من حياته، أي أنه إذا جاء رمضان في شهر تموز كمثال، فهو سيعود بنفس الشهر بعد 33 عاماً شمسية. رمضان هو شهر الصيام والقيام وفلترة الأرواح وتنقية النفوس من شوائب الحياة اليومية، هو محاولة وجدانية إيمانية الابتعاد عن صخب وشغب العيش الذي يملأ تفاصيلنا بأوزار وموبقات وأخطاء وهفوات، ليأتي هذا الشهر كنوعٍ من محطات التوقف والاستراحة وإعادة المراجعة والتأمل، شهر من كل 12 شهر في السنة يتم فيه شيء مما يمكن تسميته بالسوفت وير النفسي، الذي تتطلبه النفس لغربلة كثيراً من محتواها الثقيل، فالإنسان مثل أي جهاز آخر، يحتاج بين فترةٍ وأخرى عملية تنظيف من فيروسات الحياة المتعددة والمتنوعة، منها ما تنوء النفس به، ومنها ما يعرقل مسيرة الإنسان وتعطّل سيره واستكمال مخططاته وغاياته. فهو شهر مضاد لكل الفيروسات الحياتية ومقاوم لآفاتها، ومحرّض وداعم لإعادة بناء المعنويات من أجل متابعة السير في دروب الحياة. رمضان هو شهر أصبح مكتظاً بالطقوس الاحتفالية التي تنوعت وتعددت مجالاتها ومساراتها، حتى كادت المعاني الجميلة لرمضان أن تختفي وسط فيضان تلك الاحتفاليات. لكن تأبى الحياة إلا أن تواصل المسير والتغيير، ولا أرى غضاضةً في الإعلاء من تلك الطقوس الجميلة الدافئة التي تضفيعلى شهررمضان طابعاً من الحميمية والحنين والاشتياق، وتشعل الذاكرة الإنسانية بأجمل الخبرات والذكريات.
ليس سيئاً انتهاز حلول الشهر الفضيل، لزيادة الأنشطة الاقتصادية والترفيهية، وليس سيئاً ربط أنواع من السلع والخدمات في شهر رمضان، لقد عشنا عمراً ونحن نتعامل مع الأشياء تبعاً لمواسمها، فالبرتقال والجريفوت والمندلينا هي فاكهة شتائية، والبطيخ والتين والعنب والمشمش والدراق والأجاص فاكهة صيفية. تماماً كما هو حال عصير التمر الهندي وحلويات القطائف وشراب قمر الدين وغيرها من منتجات ارتبطت وارتبط طعمها بالشهر الكريم. حتى وبعد أن تطورت الأدوات والتقنيات بحيث صار بالإمكان توفير الفاكهة بجميع أنواعها طيلة السنة، ووجود عصير التمر الهندي والقطائف بعيداً عن رمضان، فهي لها طعم ومذاق مختلف تماماً في تناولها بشهر رمضان.
هناك الزينة والإضاءة التي اعتادت البيوت عليها وتطورت بحكم الحداثة والتكنولوجيا، ليست شيئاً سيئاً أو غير مستحب، كذلك فإن اللقاءات المسائية بعد الإفطار هي أيضاً نوع من توطيد العلاقات الاجتماعية وإضفاء مسحة محببة في شوارع ومحلات المدن، إن البركة في الحركة، والرزق عند تزاحم الأقدام، ورمضان يليق به الاحتفاء طيلة أيامه الثلاثين، رمضان ليس للعزلة والاكتئاب وانتظار الغياب، بل هو شهر الحركة والحياة والنشاط والفرح والمحبة. لا أجمل من تلك اللحظات التي تجتمع فيها العائلات على مائدة الإفطار وانتظار سماع الآذان أو مدفع رمضان. نعم هناك من يلفهم الفقر والعوز والبؤس الحياتي، لكن هذا كله لا يمنع من مواصلة الحياة لأنه السبيل الوحيد لمقاومة الظلام والشرور والكراهية. انشروا المحبة والفرح في أنفسكم وبيوتكم ومع زملائكم ومعارفكم. حاولوا أن تعيشوا ما وسعكم لذلك من فرصةٍ تستعيدون فيها شيئاً من إتزانكم الوجداني. لا عليكم من ناشري الكآبة وصانعي الإحباط الجاهزين للنكد، فهم لن ينتهوا والحياة لن تتوقف بهم أو عندهم. رمضان فرصة ومنحة هكذا أفهمه، اللهم بارك لنا في صيامنا وقيامنا، اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين أجمعين، اللهم احفظ وانصر أهلنا في غزة وفلسطين والمستضعفين. رمضان شهر جهاد النفس بالنفس، والصيام متعة لا تضاهيها متعة، وأجمل ما في رمضان انتظار رمضان. وعاد رمضان
2 Responses
nf7rhw
rujhlt