د. عمر بن عمر – رئيس قسم العلاقات العامة – كلية ليوا – الإمارات
تلعب الشبكات الاجتماعية، باعتبارها مساحات للتعبير والتضامن والاحتجاج، دورًا مركزيًا لدى الأقليات على تعددها في العالم الحديث. وتوفر هذه المنصات للمجتمعات المهمشة الظّهور والاستقلالية سامحة لها بتأكيد نفسها واستعادة هويتها الثقافية، هذه الهويّة التي غالبًا ما يتم تشويهها أو إهمالها في وسائل الإعلام التقليدية. فهي تتيح لهم إسماع أصواتهم، وبناء روابط التضامن عبر الحدود، وبالتالي تحويل التكنولوجيا الرقمية إلى مساحة التقاء من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق. إن تأثير هذه المنصات يتجاوز التواصل البسيط: فهي تمكّن الأقليات من حشد الدعم، وتنظيم مهمّات ملموسة، والتأثير على المناقشات العامّة حول موضوعات حاسمة مثل التمييز العنصري، والاعتراف الثقافي، أو حتى الحقوق المدنية. فعلى سبيل المثال، حركات مثل #BlackLivesMatter في الولايات المتحدة، أو #JusticePourAdama في فرنسا، أو الحملات عبر الإنترنت الّتي تقوم بها المجتمعات الأمازيغية تبرز كيف تعيد الشبكات الاجتماعية تشكيل موازين القوى من خلال تقديم مساحة بديلة للمناقشة والاحتجاج، وبالتالي المساهمة في تغيير المجتمعات من الداخل. ومع ذلك، فإن هذه الأدوات، على قوّتها، لا تقدر على تجاوز حدود معيّنة. فالتحديات التي يفرضها التحكُم الخوارزمي، والرقابة الرقمية، والحجر على المحتويات النقديّة، تؤكّد على أنّ إمكانات الشبكات الاجتماعية لا يمكن تلبيتها بالكامل إلا من خلال إدماج قيم ذات بعد شموليّ وشفاف. إن خوارزميات التعليمات، من خلال تبجيل المحتوى الشعبي ، أو المحايد، تخاطر بخنق أصوات الأقليات. وهذا الإخفاء يحدّ من مدى وصول الرسائل التي تتوفّر عليها الأقليات، وبالتالي يقلل من قدرتها على إيصال مطالبها في الفضاء العام. وكما أظهرت صفية نوبل ، يجب إعادة تصميم الأنظمة الخوارزمية لتجنب مفاقمة أوجه عدم المساواة التي تستهدف هي أصلا مكافحتها. وفي مواجهة هذه التحديات، يعدّ التعديل الأخلاقي والشفاف للتكنولوجيات الرقمية أمرًا لا مناص منه (صالح ، بن عمر ، 2022). فمن الضروري أن تنخرط المنصات الكبرى في مسار حثيث للحدّ من التحكّمات وترسيخ التنوع وضمان أن تكون مساحة الظهور عادلة لصالح جميع المجتمعات. ويسلط البحث الذي أجراه كريستيان فوكس وغيره من المتخصصين في مجال التكنولوجيا الشاملة الضوء على أهمية التعاون بين مطوّري التكنولوجيات وعلماء الاجتماع وممثلي مجتمعات الأقليات لتصميم شبكات اجتماعية تدمج مبادئ العدالة والشمول في خوارزمياتها. إن الآفاق التي يفتحها الذكاء الاصطناعي توفّر إمكانات واعدة في هذا المقام، ولكن يجب أن تكون مرفوقة بتفكير عميق على مستوى الأخلاق وحماية الحريات الفردية. إن الذكاء الاصطناعي، إذا تمّ استخدامه بشكل صحيح، يمكن أن يسمح بتحليل احتياجات الأقليات، وتعديل خطاب الكراهية، وجعل المنصات أكثر جاذبيّة وأكثر أمنا. ومع ذلك، كما توضح زينب توفيكي، يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي أيضًا أداة للتحكم عند استخدامه لرصد حركات المقاومة أو فرض رقابة عليها. ولذلك ستحتاج المنصات إلى تعزيز التزامها بالحفاظ على حرية التعبير وحماية الناشطين وأفراد الأقليات من القمع الرقمي. وفي الأمد غير المنظور، لا بد من تصميم الشبكات الاجتماعية والتطوّرات التكنولوجية بشكل لا يخدم المصالح الاقتصادية للمنصات فحسب، بل حقوق المستخدمين وتطلعاتهم في الوقت نفسه. ومن الممكن أن تصبح الشبكات الاجتماعية فضاءات ديمقراطية وتعددية حقا، أين يتم احترام الهويات الثقافية، وتثمين التنوع، وسماع أصوات الأقليات ودعمها. ومن الضروري ألا يغيب عن بالنا هذا الهدف، لأنّ القوة الحقيقية في الشبكات الاجتماعية تكمن في قدرتها على منح الجميع الفرصة للمساهمة في مجتمع أكثر عدلا وإنصافا.
وباختصار، يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تغيّر الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم وفيما بيننا. كما يمكن أن تكون بمثابة مساحات تمكينيّة للأقليات، إذا تم اتخاذ إجراءات ملموسة لحمايتها وإدماجها بشكل كامل. وتلعب الأقليات العرقية والمهاجرة والدينية ، من خلال اعتماد هذه المنصات وإثبات هويّتها داخلها، دورًا أساسيًا في بناء مجتمعات حديثة مفتوحة ومندمجة. ومن خلال تيسير الحوار، وجعل النضالات مرئية، وفتح وجهات نظر جديدة، تختزن الشبكات الاجتماعية قدرة على أن تصبح محركات حقيقية في سبيل التقدم والنوع والتعدد، كلّ ذلك لصالح مجتمع به اعتبار لكل صوت وهوية لكل هوية. وفي ضوء ذلك نوصي بما يلي :-
- تعزيز التمثيل العادل للأقليات في الفضاء الرقمي
تطوير سياسات منصات التواصل الاجتماعي لضمان ظهور أصوات الأقليات وتمثيلها العادل دون تحيّزات خوارزمية.
- دعم استخدام الشبكات الاجتماعية للحفاظ على الهوية الثقافية
تشجيع مجتمعات الأقليات على توظيف وسائل التواصل الاجتماعي كأداة لتعزيز ثقافتها، لغتها، وتقاليدها.
- تقليل التحيزات الخوارزمية والمراقبة الرقمية
دعوة المنصات الرقمية إلى تحسين خوارزمياتها لمنع تهميش محتوى الأقليات وضمان التنوع في التوصيات والمحتويات المرئية.
- تعزيز الأمن الرقمي وحماية بيانات الأقليات
رفع الوعي بأهمية الأمن السيبراني بين مستخدمي الأقليات وتوفير أدوات لحمايتهم من الرقابة والانتهاكات الرقمية.
- تشجيع النشاط الرقمي في مواجهة التمييز والتهميش
دعم المبادرات التي تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة لمناهضة العنصرية، والدفاع عن حقوق الأقليات، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
- تحسين الشراكات بين المنصات الرقمية والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني
التعاون بين المنظمات الحقوقية، الجامعات، والمنصات الرقمية لتطوير استراتيجيات أكثر شمولية في تمثيل الأقليات.
- تطوير محتوى تعليمي حول التعددية الثقافية والاندماج الرقمي
تقديم برامج تعليمية إلكترونية حول كيفية الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي في التفاعل الإيجابي وبناء الوعي الثقافي.
- إدماج الأقليات في عملية صنع القرار في المنصات الرقمية
تعزيز مشاركة ممثلي الأقليات في اللجان الاستشارية داخل الشركات الرقمية لضمان سياسات عادلة في المحتوى والإعلانات.
- تشجيع البحث العلمي حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأقليات
دعم الدراسات التي تستكشف تأثير الإعلام الرقمي على الهويات الثقافية، التفاعل الاجتماعي، وأنماط التواصل بين الأقليات.
- تعزيز التشريعات لحماية حرية التعبير للأقليات عبر الإنترنت
المطالبة بسياسات وقوانين تضمن حق الأقليات في التعبير عبر الإنترنت دون التعرض للرقابة أو التمييز الرقمي.
One Response
التفاتة طيبة شكرا لك على مناقشة مثل هكدا موضوع
د.نادية من الحزائر