المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمى

أسبقية الوعي الإعلامي والتحكم بتقنياته

بقلم المستشار بالمنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي  المفكر الكبير أ.د عبد الكريم الوزان

 

مع تطور الحياة وتوسع العلوم وتقدم التكنولوجيا ومنها تكنولوجيا الاعلام، بات من الضروري ضبط النسيج المجتمعي‘ ليكون ملائما مع متطلبات العصر، من وعي وتواصل اجتماعي سليم ، وحصانة فكرية وسد حاجة السوق، وقس على ذلك. وهذا يتطلب وضع استراتيجية محكمة، يبدأ إرساؤها ومنهجتها من الأسرة، بإعتبارها النواة الأولى لترسيخ القيم وتهذيب السلوك. ويعد الآباء والأمهات بمثابة المعلم الأول الذي يغرس القيم، و يترك بصماته الأساسية لدى أفراد المجتمع، وتكون البداية من أبنائهم. ومن هنا تتجلى لنا المسؤولية الكبيرة والحساسة في تربيتهم، ومتابعة رفقائهم خارج البيت. والمواطن بات اليوم رقميا منذ نعومة أظفاره، فتجده يقتني جهاز الاَي باد(iPad device)، بعد أن كان اطفالنا يجتمعون حول التلفاز الذي كان يقتصر على مخاطبة حاستي السمع والبصر . كذلك بسبب انفتاح العالم الاتصالي وتدفق الغث والسمين من محتوى الرسائل الاتصالية، التي لايمكن حجبها أو التشويش عليها بسهولة. يحصل هذا في وقت يتمسك الأبناء بعدم الاستغناء عن هواتفهم النقالة، حيث تمثل وسائل إعلام شاملة، تعمل بإنسيابية مستمرة، لمحتوى غير آمن كما ذكرنا. وهنا على الابوين مسايرتهما وديا وعدم تعنيفهم، حتى لايكون رد فعلهم عنيفا أو سلبيا، مع محاولة إشغالهم ببرامج وأنشطة ترفيهية أخرى، وعدم تشجيعهم على الإنزواء، لكن لاحيادية في الإعلام. كما يفترض تعويدهم على النقد والنقاش والتوقف عند كل معلومة مبهمة أو مثيرة للشك، مع تنظيم أوقات الإنشغال بأجهزة التواصل ،فهي والأبوان مسؤولون عن بناء الاتجاهات والتحكم بمسارها، لذا توجب ان نقف عند الخطوة الأولى التي تتعلق بتوعية الآباء بمفهوم الاعلام وتقنياته، وكيفية تحصين أبنائهم من كل ما يسيء للثوابت وللعادات والتقاليد الحميدة وللأمن القومي. وهذا من جانبه يتطلب قيام المؤسسات الحكومية المعنية ووفق ضوابط منظمة وملزمة بالمساهمة في ذلك. في الوقت نفسه يتحتم إيلاء أهمية للمناهج التعليمية واعتبار مادة الاعلام مقررا ضمن المناهج، على الأقل بدءاً من المدارس الثانوية. وفي هذا المنحى يقول الكاتب بروال الطيب: “لا بد أن تقوم المدرسة والجامعة بنصيبها في إطار يتم التخطيط له بشكل علمي ومدروس، وفي شراكة مع الأسرة، والمسجد، ووسائل الإعلام وغيرها من المؤسسات ذات الصلة. والهدف مساعدة الشباب على ترشيد وعيهم وحماية عقولهم من الأفكار المنحرفة التي تصيبهم بخلل عقدي، وغلو ديني، وانحلال خلقي، وانحراف سلوكي وعنف دموي”. وبلاشك فأن كل هذا وذاك يحتاج الى سياسات حكومية عليا ساندة، وبصيرة ثاقبة ، تدعم سياسة إعلامية تشرف وتوجه وسائل الاعلام المقروءة والمرئية والمسموعة بعناية وفق مقومات التربية الإعلامية، والهدف من التربية الإعلامية هو “تمكن أفراد المجتمع من الوصول إلى فهم لوسائل الإعلام الاتصالية التي تستخدم في مجتمعهم، والطريقة التي تعمل بها هذه الوسائل، ومن ثم تمكنهم من اكتساب المهارات في استخدام وسائل الإعلام للتفاهم مع الآخرين”. كذلك تشديد الرقابة والقوانين الوضعية، بحدود منع التجاوزات، ولا نقصد تضييق الحريات، بخاصة بعد تسيد التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في الواجهة الإعلامية، مما يزيد من شدة المخاطر الاجتماعية بفعل “البروباغاندا” الموجهة. لقد كان الإعلام بالفعل تعبيراً موضوعياً لعقلية الجماهير ولميولها ولاتجاهاتها. ومن الأهمية بمكان ان نحافظ على هذه المعاني و الأهداف السامية، من خلال التقيّد بكل ما أسلفنا، إضافة الى تظافر جهود المنظمات الاجتماعية والانسانية، ومن بينها منظمات المجتمع المدني، التي نرى أن تكون لها أجندة إعلامية تثقيفية، تستهدف الآباء والأمهات، حيث الانطلاقة الصحيحة لبناء فكر إعلامي رصين وحصين

شارك المقالة

شارك الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *