التعليم الفني كرافعة استراتيجية للنمو والازدهار الوطني
بقلم : مستشار قطاع التعليم بالمنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي – أستاذ نظم المعلومات – عضو اللجنة الوطنية للذكاء الاصطناعي – جمهورية مصر العربية ، د. منال البلقاسي
يمثل نقل المعرفة وبناء القدرات والدعم المقترح البحثي والتقني الركيزة الأساسية لأي تحول تنموي مستدام في الدول الساعية إلى إعادة بناء منظوماتها التعليمية والاقتصادية في ظل بيئات معقدة ومتغيرة. وفي السياق الليبي، تبرز هذه الركائز بوصفها مدخلًا استراتيجيًا لا غنى عنه للانتقال من مرحلة إدارة الأزمات التعليمية إلى مرحلة بناء منظومة تعليم فني ذكية وقادرة على إنتاج القيمة الاقتصادية والمعرفية. إن التحدي الذي تواجهه عدد كبير من الدول العربيةفي السنوات الأخيرة خاصة دولة ليبيا اليوم لا يقتصر على محدودية الموارد أو تضرر البنية التحتية التعليمية، بل يتجسد بصورة أعمق في الفجوة بين المعرفة المتاحة عالميًا والقدرة المحلية على توطينها وتفعيلها بما يتناسب مع الواقع المؤسسي والاجتماعي والاقتصادي. ومن هنا، يصبح نقل المعرفة ليس مجرد عملية تدريب أو استيراد نماذج جاهزة، وإنما عملية منهجية لبناء نظم تعلم وطنية قادرة على الاستيعاب والتكيّف والتطوير الذاتي.
ويكتسب التعليم الفني والتدريب المهني أهمية محورية في هذا الإطار، باعتباره المجال الأكثر ارتباطًا بإعادة بناء الاقتصاد، وخلق فرص العمل، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. غير أن تطوير هذا القطاع لم يعد ممكنًا بالاعتماد على النماذج التقليدية، بل يتطلب تبني مقاربة ذكية توظف الذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات في تحليل احتياجات سوق العمل، والتخطيط للمهارات المستقبلية، وتوجيه الموارد التعليمية بكفاءة أعلى.
وفي هذا السياق، يشكّل الدعم المقترح البحثي والتقني عنصرًا حاسمًا في ضمان أن تكون عمليات التطوير قائمة على الأدلة والبيانات، لا على التقديرات أو الاجتهادات الفردية. فالمقترح البحثي العلمي التطبيقي، حين يُدمج داخل منظومة التعليم الفني، يصبح أداة لتوليد الحلول المحلية، وتحسين جودة البرامج التدريبية، وتعزيز قدرة المؤسسات على اتخاذ قرارات مبنية على المعرفة. كما يسهم الدعم التقني في بناء بنية رقمية مرنة، قادرة على احتضان منصات التعليم الذكي، وحوكمة البيانات، وضمان الاستمرارية التشغيلية.
وتتطلب عملية بناء القدرات، في هذا الإطار، تجاوز المفهوم الضيق للتدريب نحو تمكين مؤسسي شامل يشمل الكوادر التعليمية، والإدارية، وصنّاع القرار، ويستهدف بناء مهارات التخطيط الاستراتيجي، وإدارة التحول الرقمي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في دعم القرار. ويُعد هذا التمكين شرطًا أساسيًا لضمان استدامة أي تدخل تنموي، ومنع تحوله إلى مشروع مؤقت أو معزول عن السياق الوطني.
وانطلاقًا من الحاجة إلى نماذج تنفيذ واقعية ومستدامة، يبرز اعتماد نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (BOT) كخيار استراتيجي يسمح بتسريع نقل المعرفة والخبرات الدولية، وضمان الكفاءة التشغيلية، وتقليل العبء المالي على الدولة، مع الحفاظ على السيادة الوطنية عبر نقل الملكية وبناء القدرات المحلية على المدى المتوسط والطويل. ويُسهم هذا النموذج في تحويل مؤسسات التعليم الفني إلى وحدات إنتاج معرفي واقتصادي، قادرة على تمويل ذاتها والمساهمة في النمو.
ويأتي هذا التوجه منسجمًا بصورة مباشرة مع رؤية ليبيا 2030، التي تضع التنمية البشرية، والتحول الرقمي، والتنويع الاقتصادي، والحوكمة الرشيدة في صميم أولوياتها. إذ تمثل منظومة التعليم الفني الذكية إحدى الأدوات التنفيذية الأكثر فاعلية لتحقيق هذه الرؤية، ليس فقط من خلال تحسين مؤشرات التعليم، بل عبر تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وبناء قاعدة بشرية قادرة على دعم مسار التعافي والنمو لما بعد عام 2030.
ومن الأهمية بمكان للدول العربية الساعية إلى تطوير التعليم المهني أن تطرح إطار متكامل لنقل المعرفة وبناء القدرات والدعم المقترح البحثي والتقني، بوصفها عناصر مترابطة داخل منظومة واحدة، تهدف إلى تمكين بناء تعليم فني ذكي، مستدام، وقادر على التكيّف مع التحولات المستقبلية، بما يرسخ أسس الاستقرار، ويدعم مسار التنمية طويلة الأجل، ويعزز دور التعليم كرافعة حقيقية للنمو الاقتصادي والاجتماعي. ولابد من ترسيخ قناعة علمية بأن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الرؤى، بل في تحويل الاستراتيجيات إلى نماذج تنفيذ قابلة للتطبيق. ومن الضروري أن تتعامل الحكومات العربية مع دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل احتياجات سوق العمل والتوجيه المهني، تطوير التعليم الفني كمحرك للتنمية الاقتصادية وليس كقطاع تعليمي تقليدي، اعتماد نموذج Build–Operate–Transfer (BOT) لضمان الاستدامة المالية ونقل المعرفة وبناء القدرات الوطنية، والالتزام بالمعايير الدولية في الحوكمة، وأمن المعلومات، وجودة التعليم.
وفي الختام تحتاج الدول لاعربية إلى رؤية شاملة تجمع بين البعد العلمي، والتقني، والتنموي، والابتكار المؤسسي، لتحقيق أثر طويل المدى وملموس من خلال تعزيز التعليم الفني كرافعة استراتيجية للنمو والازدهار الوطني.